فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 894

من المعلوم لدى ذواقي الجمال أنّ الزينة من الجمال، وأنَّ كثيرًا من المقاصد والمطالب إذا قُدِّمت إلينا مغلّفة بزيناتها أو مقرونة بزيناتِها كنّا أكثر قبولًا لها، وانسجامًا معها، لأنَّ جمال الزينة قد جذبنا إليها، وأقتنع عواطفنا وانفعالاتنا بقبولها، ولنحظَى بلذّة الاستمتاع بالجمال، فتتحقّق من وراء ذلك المقاصد الأساسيّة والمطالب.

وهذه الحقيقة تشمل الأفكار، فإذا قُدّمت بعض الأفكار المقصودة وما اشتملت عليه من مطالب اعتقادٍ أو عمل ممتزجةً أو مقرونة بزينات جميلة فكرية أو لفظية كانت النفوس أكثر انجذابًا إليها، وقبولًا لها، ثمّ تمسكًا بها أو عملًا بما طلب فيها.

إنَّ شأن الأفكار كشأن المآكل والمشارب والأدوية، وسائر المطالب والحاجات، فمنها ما هو حلو بطبعه، ومنها ما هو حامض، ومنها ما هو مرّ، ومنها ما هو ليّن، ومنها ما هو قاس، ومنها ما هو ناعم، ومنها ما هو خشن، ومنها ما هو مُهَوِّع مثيرٌ للغثيان، ومنها ما هو محرّك للشهوة مثير لِلُّعاب.

حتى الطيِّبات من المآكل والمشارب وغيرها يزيدها حسنًا وجمالًا وتطريةً وتحريكًا لشهوات النفوس نَحْوَها إذا قُدّمت في أطباق جميلة نفيسة، وعلى مائدة جميلة أنيقة، وفي أيدٍ نظيفة رشيقة حلوة لِخَدَم مكتملي الأناقة حِسَان، وفي مكان منظّم مليء بالأشياء الحسَنة الجميلة، من منظور ومسموع ومشموم وملموس ونحو ذلك.

فالفكرة المرّة قد تحتاج غلافًا حلوًا جميلًا يزيِّنها حتى يبتلعها مَنْ توجّه له.

والفكرة الشديدة الحموضة قد تحتاج مخالطًا يعدِّل حموضتها حتى يستسيغها من توجّه له.

والفكرة القاسية بطبعها قد تحتاج أسلوبًا يليِّنها ويعدِّل قساوتها.

والكفرة الخشنة بطبعها قد تحتاج أسلوبًا ناعمًا يغلِّفها ويهوِّن ابتلاعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت