فهرس الكتاب

الصفحة 770 من 894

تَأْكيد الْفِكْرة بما يُشْبِهُ تقرير ضدّها وهي المُسَمّاة: تأكيد المدح بما يشبه الذّم وعكسه والعنوان الذي وضعته أولى

هي أن يأتي المتكلّم بكلام يتضمَّنُ مَدْحًا، أو ذمًّا، إو إثباتَ صفةٍ أو حَدَثٍ، أو نَفْيَ صِفَةٍ، أو حدث، ويُتْبعَهُ بكلاَمٍ يَبْدَؤُه بما يُشْعِرُ باستثناءٍ أو استدراكٍ على كلامه السابق فإذا به يأتي بما يتضَمَّنُ تأكيد كلامه السابق.

وهذا فنٌّ بديع في الكلام له حركة في النفس تَشْبِهُ الْجَزْرَ فالمدَّ السّريع الأقوى من الْجَزْرَ.

أمثلة:

المثال الأول: قول الله عزَّ وجلَّ في وسرة (الواقعة/ 56 مصحف/ 46 نزول) بشأن الجنة وما فيها من نعيم لأهلها:

{لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلًا سَلاَمًا سَلاَمًا} .

إنّ الاستثناء بعبارة {إِلاَّ قِيلًا} يُشْعِرُ بأنّ نفي اللَّغو والتأثيم السابق سيأتي إثباتُ بعضِ ما هو ضدّه، فإذا بالمستثنى يوكِّد الفكرة السابقة، وهي أنّهم لا يَسمَعُونَ فيها لَغْوًا ولاَ تأثِيمًا، لأنَّ عبارت السلام التي يسْمَعُها أهْلُ الجنّة ليست من اللّغو ولا من التأثيم، الّذي هو الشتيمة بارتكاب الإِثم، بل هي تكريم ودعاء وتحيَّة.

المثال الثاني: قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) خطابًا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:

{طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى} .

جملة: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} أي: ما أنزلْنَا عَلَيْك القرآن لتُتْعِبَ قلْبَكَ ونفْسَك بتَحَمُّل أعباء تحويل الناس من الكفر إلى الإِيمان، بل لتبلّغهم وتذكّرهم، وتريح قلبك ونَفْسَك بأنَّك أدّيْتَ واجبك.

وجاءت بعدها كلمة [إلاَّ] تشعر بأنّه سَيَليها مستثنىً يُحمِّلُه تكليفًا فيه بعض شقاءٍ له، فإذا بالمستثنى يتضمّن تأكيده الفكرة التي جاءت في الجملة السابقة لأداة الاستثناء.

المثال الثالث: قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (القيامة/ 75 مصحف/ 31 نزول) بشأن الكافر المَسُوق إلى عذاب ربّه:

{فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَاكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} .

قد تُشْعر كلمة [لَكِنْ] في الوهلة الأولى بأنّه فعل شيئًا من الخير استدراكًا على كونه كذّب بالرسول ولم يُصَلِّ للَّهِ عزَّ وجلَّ، فإذا بالمستَدْرَكِ به يتضَمَّن تأكيد ما جاء قبلَه، فقد كذّب الرّسول وكذّب بما جاء به، وتولَّى مُدْبرًا فلم يُصَلِّ ولم يَعْبُدْ ربَّه بعبادةٍ ما.

المثال الرابع: قول النابعة الذّبياني:

*وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ * بِهِنَّ فُلُولٌ من قرَاعِ الْكَتَائِبِ*

فُلُول: جَمْعُ"فَلّ"وهو ثَلْمٌ يُصِيبُ حدّ السّيف من الضرب الشَّدِيدِ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت