فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 894

المبحَثْ الثَاني

الاستعارة في المركّب وهي"الاستعارة التمثليّة"

سبق في مقدمة الكلام على الاستعارة أنها تكون في المفرد وتكون في المركّب، وأن الاستعارة في المركب تسمّى"الاستعارة التمثيليّة".

وبعد أن انتهى المقصود عَرْضُه وبيانُه من صور الاستعارة في المفرد وتقسيماتها وأمثلتها، فقد جاء دور بيان القسم الآخر للاستعارة، وهو"الاستعارة في المركب".

الاستعارة في المركب: هي كما سبق بيانُه في المقدِّمة استعارة يكون اللّفظ المستعار فيها لفظًا مُرَكَّبًا، وهذا اللّفظ المركب يستعمل في غير ما وُضِعَ له في اصطلاح به التخاطب، لعلاقة المشابهة بين المعنى الأصليّ، ويسمّى"الاستعارة التمثيليّة"وقد يطلق عليه"الاستعارة على سبيل التمثيل"أو نحو ذلك من غبارات.

وهذه الاستعارة يستعملها الناس في مخاطباتهم وأمثالهم الدارجة، في فصيح الكلام العربي، وفي اللِّسان العامّي الَّذي يتخاطبُ عامَّةُ الناس به، ويُسْتَعْمَل أيضًا في غير العربيَّة من اللُّغات الإِنسانيَّة الأخرى.

* فمن العاميّ قول الناس إذا رأَوا صاحب صنعه أَوْ مَهْنة يُهْمِلُ أشياءه الخاصة التي يصنع مثلها لغيره بإتقان:"بابُ النجَّار مخلَّع"أو"السّكافي حافي والحايك عريان".

وهذه الاستعارة قائمة على تشبيه حال هذا المُهْمِل لأشيائه الخاصة بحال النجّار الذي يصنع الأبواب المتقنة للناس مقابل ما يناله من أجر، ويُهْمِلُ باب داره إهمالًا مثيرًا للانتقاد والتلويم، أو تشبيه حاله بحال الإِسْكاف الذي يُصْلح أحذية الناس ويمشي حافيًّا مُهْمِلًا إصلاحَ حِذَائه، أو تشبيه حاله بحال الحائك الذي يحيك الثياب للناس ويبيعها لهم، ويمشي هو كالعريان، بثيات مُمَزَّقة رثَّة.

* وقول العامة إذا رأوْا إنسانًا يعالج أمرًا لا جدوى منه:"يَنْفُخُ في قِرْبة مَخْرُومَة".

الأمثلة من الفصيح:

(1) قول المتنبّي يصف الذي يَعِيب الشعر الرائع بسبب خَلَلٍ ذوقيّ لَدَيّه، يَجْعَلُهُ يرى الجميل قبيحًا، والكامل ناقصًا، والحسن سيِّئًا:

*وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ * يَجِدْ مُرًّا بِهِ الْمَاءَ الزُّلالَ*

هذا الكلام الذي يدلُّ معناه الأصلي على أنَّ المريض الذي يُفْرِزُ فَمُهُ مُفْرَزاتٍ مُرَّةً، يَجدُ الماءَ الزُّلال مُرًّا في فمه، وليس ذلك من مرارة الماء، بل من الأشياء المرَّة الَّتي يُفْرِزُها فَمُه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت