ينقسم الكلام بالنظر إلى المنطوق به، وإلى معانيه من جهة نِسَبِ الكثافة بين كلٍّ منهما في مقابل الآخر إلى ثلاثة أقسامٍ رئيسة سويّة، ويأتي وراءها أقسامٌ أخرى.
* فالأقسام السويّة الثلاثة هي مايلي:
القسم الأول: الكلام المتّصف بالمساواة بين ألفاظه ومعانيه مع مطابقته لمقتضى الحال.
المساواة: هي التطابق التام بين المنطوق من الكلام وبين المراد منه دون زيادة ولا نقصان.
القسم الثاني: الكلام المتّصِفُ بالإِيجاز غير الْمُخِلّ، مع مطابقته لمقتضى الحال.
الإِيجاز: كون الكلام دالًا على معانٍ كثيرة بعبارات قليلة وجيزة دون إخلال بالمراد.
القسم الثالث: الكلام المتّصفُ بالإِطناب لاشتماله على زيادة ذات فائدة، مع مطابقته لمقتضى الحال.
الإِطناب: كون الكلام زائدًا عمّا يمكن أن يُؤَدَّى به من المعاني في معتاد الفصحاء لفائدة تُقْصَد.
ويكون الكلام بليغًا إذ وُضع كُلُّ قِسْمٍ من هذهِ الأقسام في موضعه الملائم له، ورُوِعيَ فيه مقتَضَى حالِ المتلقّي.
* وأمّا المعيب من الكلام في هذا الباب فيكون بواحد فأكثر من الوجوه الثلاثة التالية:
الوجه الأول: الإِيجاز المخلّ بالمعنى المقصود بالبيان.
الوجه الثاني: الإِطنابُ بزيادةٍ غير ذات فائدة تُقْصَدُ لدَى أذكياء البلغاء، وقد يطلق عليه لفظ"الإِسهاب"أو لفظ"التطويل".
ويكون الإِطناب غير المفيد بأحد أَمْريْن:
* بالتطويل دون فائدة، وطريقُهُ أن لا يتعيّن الزائد في الكلام على وجه الخصوص، كأن تُوجد لفظتان مترادفتان تصلح كلُّ منهما لأن تكون هي الزائدة.
* أو بالْحَشْوِ دون فائدة، وطريقه أن يكون الزائد غير المفيد في الكلام متعيّنًا بلفظه، كلمةً فأكثر.
هذا ما توصَّلَتْ إليه أنظار المحققين من أهل البلاغة والأدب حول تقسيمات الكلام من جهة النِّسَبِ العامَّة للكثافة بين الألفاظ والمعاني.
مقتضيات استعمال كلٍّ من الأقسام السويَّة:
ممّا اتفق عليه أئمة البلاغة والأدب أنّ لكلِّ قِسْمٍ من أقسام الكلام الثلاثة:"المساواة - الإِيجاز - الإِطناب"مقتضياتِ أحوالٍ تُلائمه، ومناسباتٍ تقتضيه، ودواعىَ بلاغَيَّةَ تستدعيه، وموضوعاتٍ يَحْسُن أن يُخْتار لها.
وفيما يلي طائفةٌ من أقوالهم:
(1) رُوي أنّ الخليل بن أحمد الفراهيدي أحد أئمة اللّغة والأدب قال:"يُخْتَصَرُ الكِتَابُ ليُحْفَظَ، ويُبْسَطُ لِيُفْهَم".
(2) قيل لأبي عَمْرو بن العلاء"وهو أحد أئمة اللّغة والأدب، وأحد القرّاء ووُصف بأنّه أعلم الناس بالأدب والعربيّة والقرآن والشعر": هل كانت العربُ تُطِيل؟
قال"نعم، كانت تُطِيلُ لِيُسْمَعَ مِنْها، وتُوجِزُ ليُحْفَظَ عنها".
(3) ورُوي أن جعفر بن يحيى البرمكيّ"أحد الموصوفين بفصاحة المنطق وبلاغة القول"قال:
"متَى كان الإِيجاز أبْلَغَ كانَ الإِكثَارُ عِيًّا، ومتَى كانت الكِفايَةُ بالإِكثار كان الإِيجاز تقصيرًا".
(4) وقال أحد الشعراء يثني على خطباء"إِياد"كما ذكر الجاحظ: