يتناول الكلام هنا الاختيارات البديعة التالية:
(1) الاطّراد.
(2) الترتيب.
(3) الترقّي والتدلّي.
(4) حُسْنُ النَّسَق.
(5) التعديد - أو"حُسْنُ التعديد".
نظر علماء البديع إلى عناصر جمالية معنوية تتعلّق بتتابع المفردات والجمل في الكلام الواحد، فوضعُوا لما اكتشفوه منها أسماءً.
أوّلًا - الاطّراد:
قالوا: من البديع أن يذكر المتكلّم آباءَ من يَتَحَدَّثُ عنه متسلسلة على وفق الترتيب الطبيعيّ الذي هُوَلَهُمْ، في سلسلة نَسَبِهم، بدءًا من الجدّ الأعلى وتنازلًا إلى الأب المباشر، أو بالعكس، إذا كان له غرضٌ بذكرهم، وسمّوا هذا"الاطّراد"وهذه التسمية ملائمة للمعنى اللّغوي للكلمة، فالاطّراد في اللّغة: التتابُع والتسلسل، يُقَالُ: اطَّرَدَ النَّهْرُ، إذا تتابع جَرَيانُ مائة، واطَّرَدَ الكلامُ أو الحديثُ، إذا جرَى مجرى واحدًا متَّسِقًا.
ومخالفة الاطّراد هذا لاَ تَحْسُن إلاَّ لنكتَةٍ بلاغية يُريد المتكلم بها الإِشارة إليها.
فالاطّراد يُلائم السّلسلة الفكريّة الطبيعيّة لدى المتلَقِّي.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) حكاية لما قال يوسف عليه السلام لصاحبيه في السّجن:
{...إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذالِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} .
بَدَأَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ جَدِّهِ العالي إبراهيم أوّلًا، لأنّه الأوَّلُ من آبائِهِ الأقربين الّذينَ حَمَلُوا الملّةَ الّتي يدعو صاحِبَيْهِ في السَّجْن لاتِّبَاعِهَا، فذكر بعده ابْنَ إبراهيم المباشر إسْحاق، فذكَرَ يعقوبَ بن إسْحاق، ويعقوبُ هو الأَبُ المباشر ليوسفَ عليهم السلام.
المثال الثاني: قول الرسول صلى الله عليه وسلم حينَ سُئِلَ عن أكْرم الناس:"الكريم ابْن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
المثال الثالث: قول الشاعر:
*إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ * بعُتَيْبَة بْنِ الحَارِثِ بنِ شِهَابِ*