فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 894

وقد اهتمّ علماءُ البلاغة، والباحثون في إعجاز القرآن بدراسة ما في كتاب الله من محذوفات، وبدراسة أقوال كِبَارِ البلغاء والفصحاء، وما فيها من عناصر محذوفة مع أرادة توصيلِ معانيها للمخاطبين بها، فاكتشفوا أنّ الحذف من صريح البيان، والاكتفاء بدلائل قرائن الأحوال أو قرائن الأقوال، أو دلائل اللّوازم الفكرية، وما في الأقوال المذكورة من إشارات، قد يكون أبلَغ وأبدَعَ وأكْثَرَ جَمالًا، إذَا كان المتلَقِّي ممَّنْ تقتضي حالُه أنْ يُخَاطَبَ بمثل ذلك، اعتمادًا على ذكائه وفطنته، أو كان في المتلقّين من هم كذلك، وهؤلاء يكشفون لسائر المخاطبين ما فهموه من الكلام الموجّه للنّاس بوجهٍ عامٍّ، فَيُغْنِي إفهام أهل البحث والعلم والفطنة بكلام يُلاَئمُ مقتضى حالِهم، إذْ هم مُكَلَّفُونَ إِفْهَامَ الآخرين وتعليمَهُم، ولا حاجة في كلّ الكلام أَنْ يلائم أحوال متوسطي الذكاء فمن دونهم، إذا كان الكلام موجّهًا للناس بوجه عامّ.

ولذلك نجدُ في كتاب الله الموجّه للناس أجمعين ما يمكنُ أَنْ يفهمه بسهولة كلُّ المخاطبين، ونجد فيه ما يحتاج فهمه إلى ذكاءٍ متوسّطٍ أو فوق المتوسط، ونجد فيه ما يحتاج فهمه إلى ذكاءٍ فائقٍ وفطنةٍ رفيعة عالية، ليشرح هؤلاء ما فهموه من كتاب الله، ويقدّموه لسائر الناس بما يفهمون من بيان.

وَإِذْا أحسَّ أستاذُ علوم البلاغة"عبدالقاهر الجرحاني"أَنَّ حذفَ ما يُمْكن أن يُدركَهُ أهل الذكاء والفطنة بالقرائن أو الإِشارات، ممّا يرفع مستوى الكلام إلى مراتب عاليةٍ في البلاغة والإِبداع والجمال البياني، قال كما جاء كتابه"دلائل الإعجاز"بشأن الحذف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت