ومنه خطاب الله رسوله بقوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَآءَهُ الأَعْمَى (2) } .
وكان مقتضى الظاهر أن يقول:"وإذْ قُلتُ لِلْمِلاَئِكَة..."وأن يقول لرسولِهِ:"عَبَسْتَ وتولَّيْتَ أن جَاءَكَ الأعمى".
ويُلَقّبُ الالتِفاتُ بشجاعة العربيّة، على معنى أنَّ الْبُلَغَاء مِنْ ناطقي العربية كانت لديهم شجاعةٌ أدبيَّةٌ بيانيّة استطاعوا بها أن يفاجئوا المتلقّي بالتَّنقُّل بَيْن طُرُقِ الكلام الثلاثة"التكلُّم - والخطاب - والْغَيْبة"مشيرين بذلك إلى أغراضٍ بلاغيَّة يريدون التنبيه عليها بذلك.
والالتفات من الأساليب البلاغيَّةِ ذَاتِ اللَّطَائف النفيسة، وقد تكرّر في القرآن المجيد استخدامه جدًا، وله فيه أمثلة كثيرة.
وهو فنٌّ بديعٌّ من فنون القول يُشْبِهُهُ تحريكٌ آلات التصوير السينمائي بنقلها من مشهد إلى مشهد آخر في المختلفات والمتباعدات الّتي يُرادُ عَرْضُ صُوَرٍ مِنْها، ومفاجأة الْمُشَاهِدِ بلَقَطاتٍ مِنْها متباعدات، ولكنَّها تدخُلُ في الإِطار الْكُلّي الذي يُراد عرض طائفةٍ من مشاهده تدلُّ على ما يُقْصد الإِعلام به.
ويَهْدِي الذوقُ الأدبيُّ السليم إلى استخدام الالتفات استخدامًا بارعًا يُحَقِّق به البليغ فوائد في نفس المتَلَقِّي أو فكره، مع ما يُحِقِّق به من الاقتصاد والإِيجاز في العبارة.
فلننظر إلى الالتفات البديع الموجود في النصّ القرآنيّ التالي:
بينما يتحدّث النّصّ عن بني إسرائيل الأوّلين ما فعلُو من كبائِرَ بأسلوب الحديث عن الغائب، يلتفت النّصّ فيخاطب بني إسرائيل المعاصرين لنزول القرآن فمن يأتي بعدهم كأنَّهم الأوّلون أنفسُهم، للإِشعار بأنّ هؤلاء الْخُلُوف ما زالوا يتّصفون بأوصاف الأوّلين، لم يغيّروا منها شيئًا، فهم مَعْنيُّون بعموم الخطاب، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/7 مصحف/ 39 نزول) :