فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 894

الغرض الثالث: الإِشعار بأنّ ما هو مُقَرَّرٌ حصولُهُ هو أمْرٌ مرغوبٌ فيه للمتحدّث، فكأنّه مطلوبٌ له، ومن أمثلته قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:

"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متعمّدًا فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".

كان مقتضى الظاهر يستدعي أن يقول: فإنّه سيَتَبَوَّأُ مَقْعدَهُ من النار، بأسلوب الخبر، لكن عدل الرسول عن ذلك وجاء بأسلوب الإِنشاء"فَلْيَتَبَوَّأُ"للإِشعار بأنّ هذا التَّبُّوءَ أمر يَطْلُبُه الرسول صلى الله عليه وسلم ويدعو ربّه به.

إلى غير ذلك من أغراض بلاغيّة قد تتفتَّق عنها أذهان البلغاء الأذكياء.

(7) النوع السابع الانتقال من الفعل الماضي إلى الفعل المضارع وبالعكس

ومن الخروج عن مقتضى الظاهر الانتقال في تتابع الجمل من الفعل الماضي إلى الفعل المضارع وبالعكس.

ولهذا الانتقال أغراض بلاغيّةٌ يقصدها البلغاء، ويكتشف متدبّر النصوص الرفيعة أغراضًا نفيسة تُقْصد بهذا الانتقال.

* فمن الانتقال من الماضي إلى المضارع فالماضي قول الله عزّ وجلّ في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول) :

{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) } .

كان مقتضى الظّاهر بَعْدَ فعل {أَرْسَلَ} الماضي أن يُعْطَفَ عليه بفعل ماضٍ فيقال:"فأثارت"لكن عُدِلَ عن هذا الظاهر إلى: {فَتُثِيرُ} بالمضارع بُغْيَة تقديم صُورَةِ السَّحابِ المثار كأنّه حدَثٌ يجري مع تلاوة النَّصّ، وهذا أسلوب فَنِّيٌّ بديعٌ، فيه إحضارٌ للمشاهد الماضية في صُوَر المشاهد الحاضرة الجارية، ذاتِ الأحداث المتجدّدة، إذ الفعل المضارع يفيد مع الحدوث الحاضر ظاهرة التجدّد والتتابع.

يضافُ إلى هذا الغرض التنويعُ في أسلوب التعبير الذي يستثير الانتباه ويستدعيه بقوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت