* وأمّا العوامل الفكرية فمن المتعذّر إحصاؤها، إذِ الأفكار ومعاني الألفاظ لا حصر لها، وضَمُّ فكرةٍ إلى فِكرةٍ أخرى، وَلفظ ذي معنى إلى لفظ آخر ذي معنى موافق أو مخالف، يتطلّب إدْراكًا عاليًا جدًّا، قادرًا على تمييز درجات حُسن التلاؤم، ودركات قبح عدم التلاؤم الذي يُوَلِّد في النفوس الصَّدَّ أو النفرةَ أو الاستقباحَ، أو الحكم على الكلام بالركاكة، وسوء التركيب، وخروجِهِ عنْ أُطْرِ الجمال الفنّي.
وقد تعرّض أئمة علوم البلاغة وشيوخ الأدب للإِشارة إلى هذا الموضوع ضمن بحوث الفصل والوصل، أو ضمن بحوثٍ أخرى، دون أن يُفْرِزوه بعنوان خاص، مع كونه جديرًا بأن يُفْرز ببحثٍ مستقلٍّ، كانت لهم حوله عبارات، ونظرات عامّات لم تُحَدَّدْ فيها أقسامٌ ولا عناصر متفاصلة، بسبب أنّ التلاؤمَ وعدَمَ التلاؤم بين المعاني قضيَّةٌ جمالية فكريّة، والبحث فيها مائجٌ رَجْراجٌ لا حصر لصوره، والبحث فيه كالبحث في صُوَرِ أمواج البحر، وكالبحث في صُورِ حركات السُّحُب وتشكيلاتها المتنوعات الناتجات عن تقاربها وتباعدها، واجتماعها وافتراقها، مع اختلاف ألوانها وكثافاتها في الأبعاد الثلاثة:"الطول والعرض والْعُمْق".
(2) من أقوال شيوخ البلاغة والأدب حول التلاؤم في الكلام
(1) لقد وصف شيوخ البلاغة والأدب الكلمة الموضوعة في المكان الملائم لها من الجملة بأنها"مُتَمَكِّنة".
أي: هي ثابتة في المكان الذي وُضِعَتْ فيه، فهي ذات جذور وروابط فكرية تربطها بما جاورها من عناصر الجملة.
(2) ووصفوا الكلمة الموضوعة في المكان غير الملائم لها من الجملة بأنّها"قَلِقَة"و"نَابِيَة"و"غَيْرُ مُتَمَكِّنَة".
(3) وقالوا عن الشعر الذي لا تآخي بين كلماته، ولا تواصُلَ بين مُفْرداته:"لاَ قِرَانَ له".