فهرس الكتاب

الصفحة 647 من 894

"أعطاني حتى ملأ بيتي من رَحْمَتِه"أي: من الرزق الذي هو أثر رحمته، فإنّه لا يَسْتَعْمِلُ كلمة الرحمة استعمالًا آليًَّا للدّلالة بها على ما ناله من رزقٍ أصابه، وإنّما يُعبِّر عن شعوره بأنّ جزءًا من رحمة المعطي انطلق من نفسه فتَجسَّد بصورة رزق مَلأَ بيْته.

هذا مجاز مرسل من إطلاق السَّبَب وإرادة المسبَّب، والعملُ الفكري والشعور النفسيّ هو المقتضي لهذا الإِطلاق، ولا خلاف في أنه مجاز لغوي.

* وحين يأتي التعبير عن تداعي الجدار إلى السقوط بأنّه يُريدُ أن يَنْقَضّ، فإنّ الأمر ليس مُجرَّدَ عمَلٍ آليٍّ تُوضَعُ فيه الإِرادة مكان ظاهر التداعي، بل هو تعبيرٌ عمّا يَشْعُر به المشاهد له، ومن أنّه بمثابة شَيْخٍ هرِمٍ جدًّا انْحَنَى ظهْرُه، وليس بيده عصًا تسنده، وقد تعِبَ جدًّا من الوقوف فهو يريد أن ينقضّ بسرعةٍ انقضاضَ الطائر ليرتاح جسمه على الأرض، فهذا مجاز مرسل، والعمل الفكري والتصوّر الذهني هو المتقضي له.

كذلك حال الاستعارة فهي ليست مجرّد نَقْلٍ آليّ للفظ المشبَّهِ به، وإطلاقِه على المشبَّه، بل لا بُدَّ بها من عَمَلٍ فكريّ أو شعورٍ نفسّي يُصَحِّحُ في تصوّر المتكلّم هذا الإِطلاق.

والذين تَصَوَّروا أنّ الاستعارة هي من قبيل المجاز العقلي لهذا المعنى كان عليهم أن يَجْعَلُوا كُلَّ صُوَر المجاز اللغويّ من قبيل المجاز العقلي.

والتحقيق أنَّ المجاز العقلي لا يكون فيه نقْلٌ في استعمال الألفاظ، بل هو عمل فكري أو شعور نفسي بَحْتٌ، بخلاف المجاز اللّغوي فإنّ فيه هذا النّقل مع العمل الفكري أو الشعور النفسيّ.

وبهذا ظهر الفرق بين المجاز العقليّ والمجاز اللّغوي، وكان ما ذهب إليه جمهور البيانيّين هو الرأي الأجدر بالاعتبار.

تقسيم الاستعارة إلى استعارة في المفرد واستعارة في المركب

تنقسم الاستعارة انقسامًا أوليًّا إلى قسمين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت