جاء هذا الإِخبار بصيغة الأمر في {فَلْيَضْحَكُواْ - وَلْيَبْكُواْ} على سبيل المجاز المرسل، وعلاقته هنا السببيّة، لأنّ الأمر الرّبَانِيّ التكويني هو الذي مكَّنَهُمْ في الحياة الدنيا من أن يكونوا منافقين وعصاةً محتالين يضحكُون في سِرِّهم إذا قَدَّمُوا أعذارًا كاذبةً قَبِلَهَا الرسول صلى الله عليه وسلم منهم معاملةً لهم بمقتضى ظاهر أحوالهم، فمن توابع الأمر التَّكْويني الذي جعلهم الله به مخيّرين أن يضحكوا، فأُطْلِقَ لفظ السّبب على المسبَّب.
ولأنّ الأمر التكوينيّ الجزائيّ يَوْمَ الدّين هو الذي سَيَجْعَلُهُمْ يتَقَلَّبُون في العذاب الذي يجعلُهُمْ يَبْكُون من شدّة ما يلاقون من آلام، فأطْلِق لفظ السبب على المسبب على طريقة المجاز المرسل.
* قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح:
"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
فَلْيَتَبَوَّأ: الصيغة إنشائيّة فيها معنَى الأَمر، والمرادُ بالإِخبار بأنَّهُم سيَتَبَوَّؤُن مقعدهم من النار، أي: سَيُقِيمون به.
يقال لغة: تبوّأ المكانَ وتَبَوَّأ به، إذ نزلَهُ وأقامَ به.
والعلاقة السببيّة بين الأمر والخبر هنا، إذِ الأَمْر مستعمل أوّلًا بمعنى الدعاء، إذْ يطلب فيه الرسول من ربّه، ودُعَاءُ الرّسول على من كذب عليه متعمّدًا بهذا التّبَوُّءِ مُتَحَقِّقُ الاستجابة فهذا الكاذب سيتبوّأ مقعده من النّار حتمًا.
أو نقول: صيغةُ الأمر مستعملةٌ بمعنى الوعيد، والعلاقة بين الأمر والوعيد أَنَّ أَمْرَ التَّنفيذ الجزائي يلزم عنه وعيد بالجزاء، فالعلاقة هي اللّزوم، فجرى استعمال الأمر في الوعيد بما سَيَحْدُث من جزاء، ولو كان مُقَرِّرُ الجزاء غيْرَ مُسْتَعْمِلِ صيغةِ الأمر.
(2) وقد تُطْلَقُ الْجُمَل الاستفهامية مُرادًا بها معانٍ أخرى غيرُ الاستفهام، مثل:"التقرير - الإِنكار - الامتنان - التمنّي - الترجي"إلى غير هذه المعاني من معاني خبريّة سبق بيانُها في بحث الجملة الإِنشائية وأقسامها، تحت بحث:"خروج الاستفهام عن أصل دلالته إلى معاني أخرى."
(3) إلى غَيْرِ ذَلِكَ من معاني تتفتّق عنها أذهان البلغاء.