{فَرَقْنَاهُ} أي: جَزَّأْنَاهُ، وفَصَّلْنَاهُ، وبَيَّنَّاهُ، وأصْلُ معنَى الْفَرْقِ الفصْلُ بيْنَ الشّيْئَيْنِ أو الأشياء، وتمييزُ بَعْضِها عن بعْض.
وأَوْضَحُ صُوَرِ هذا الْفَصل والتَّمييزِ أَنْ يُنَزَّلَ الكتَابُ على مراحِلَ زمَنيّةٍ مُتَفاصِلَةٍ مُتَباعِدَةٍ.
{عَلَى مُكْثٍ} أي: عَلى تَمَهُّلٍ، وتَوَقُّفٍ، وانْتِظَارٍ، رَيْثَما تَثْبُتُ مَعْرِفَةُ الْقِسْمِ الْمُنَزَّلِ.
يُقال لغة: مكَثَ بالمكانِ يمكُثُ مُكْثًا وَمَكْثًا ومُكُوثًا، إذا توقّف وانتظَرَ.
{وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} أي: ونَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا بأناةٍ وتَمَهُّلٍ وتَحْقِيقٍ مع كلّ قِسْمٍ يُنَزّل منه، فالتأكيدُ بالمفعول المطلَقِ للإِشارة إلى نوع التنزيل.
والحكمة الثانية: نُدْرِكُهَا من قول الله عزّ وجلّ في النصّ: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} .
الخطاب هنا مُوجّه للرسول ليَسْمَعَ أصحابُ الاعتراض على تنزيله مُفَرَّقًا، وقد سبقَ في سورة (الفرقان) نَفْسِها عَرْض طائِفَةٍ من اعتراضاتِهِمْ ومقترحاتهم التي جاءت الإجابة عليها في السورة.
والمعنى أنّ من حِكَمِ تنزيل القرآن مُنجَّمًا مُتَابَعةَ جَدَليَّاتِ الذين كَفَرُوا فيما يُقَدّمونَه من أمْثِلَةٍ يصْطَنِعُونها بآرائهم، ويقترحونها، ويَرَوْن أَنَّها هيَ الصُّوَر الأفْضَل الَّتي ينْبَغِي أنْ يكون عليها حالُ الرسُولِ، أو حالُ القرآن، أو حالُ أحكام الشريعةِ والمنهاج.
فَبِهَذِهِ المتابعة يقدّم اللَّهُ عزّ وجَلَّ في النصّ اللاَّحق ما يكْشِفُ به وجْه الحقّ لمنْ يَطْلُب الحقَّ بصدْق، إذا كان ما اقترحه الكافرون من الأمور الباطلة.