فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 894

أقول: ولا يحسُنُ بلاغيًّا استخدام التورية إلاَّ إذا دعا داعٍ بلاغي يقتضيه حال المتلقّي، وهذا الداعي ممّا يُقْصدُ لدى أذكياء البلغاء، كإخفاء المراد عن العامة وإشعار الخاصة من طرفٍ خفي، وكالتعبير عن المقصود بكلام يتأتَّى معه الإِنكار عند الحاجة إليه، وكاختبار ذكاء المتلقّي والتأثير في نفسه بما يُعْجِبُه من أداءٍ فنّيّ يستخدم فيه الأسلوب غير المباشر حتى الإِلغاز، إلى غير ذلك من دواعي.

فليس كلّ كلمة لها معنًى قريب ولها معنًى بعيد على وجه الحقيقة أو المجاز يحْسُنُ استخدامها، وقَصْدُ المعنى البعيد بها، على سبل التورية، دون مراعاة أو ملاحظة داعٍ بلاغي يُقْصَد لدى البلاء الفطناء.

أمثلة:

المثال الأول: قول الله عزَّ وجلَّ في حكاية قول بعض أولاد يعقوب عليه السلام له، حين أخذ يُحِسُّ بريح يوسف عليه السلام، ولم يكن قد وصل البشير إليه يحمل قميصه من مصر، ولم يكن قد علم بما حصل لباقي بنيه في مصر الذين ذهبوا ليطلبوا الإِفراج عن بنيامين شقيق يوسف، فقال الله تعالى في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) :

{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} .

تُفَنِّدُونِ: تُخَطِّئُوني بأنّي أُحسُّ بإحْسَاسِ من أصابَهُ الخرفُ وضعُفَ رأيُه، فصار يتصوّر تصورات باطلات.

وتلاحظ التورية في عبارتهم: {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} فهذه العبارة لها معنيان:

المعنَى الأول القريب الذي أرادا الإِيهام به: هو أنّه ما زال ضالًا مع أوهامه، طعامًا بعد نيف وثلاثين سنة من غياب يوسف في أن يعود إليه أو يلتقي به، وضالًا في شغل نفسه بالحزن عليه حتَّى يكون حرضًا (أي: شديد المرض) أو يكون من الهالكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت