فهرس الكتاب

الصفحة 859 من 894

في هذ النّص من الائتلاف جمع اللّفظ الغريب مع اللّفظ الغريب، وبيانُه"الْحَرَضَ"في اللّغة هو الّذِي أضناه الحزْنُ والعشقُ، فهو به شديد المرض، وهذا اللّفظ من الألفاظ الغريبة، وكان من فنيّةِ جمع الغريب مع الغريب اختيار أغرب ألفاظ القسم، وهي"التاء"فإنّها أقَلُّ استعمالًا وأبْعَدُ عن أفْهَام العامة من القسم، بحرف"الباء"أو حرف"الواو"، واختيار أغرب صِيغ الأفْعال التي ترفع الاسم وتنصِبُ الخبر من أخوات"كان"وهو فعل"تفتأ"وكان من الممكن اختيار فعل:"ما تزال"فهو أقرب إلى الأفهام، وأكثر استعمالًا من فعل:"ما تَفْتَأ"وهو بحذف"ما"منه أشدّ غرابة.

وهكذا رأينا أن من حُسْن الاختيار في نظم الكلام اختيارَ الألفاظ المتلائمة في الغرابة، توخّيًا لحسن الجوار كما يُجْمَعُ في الحفل من الناس كلّ صنف من صنفه.

المثال الثاني: قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :

{وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلاكِنَّ أَكْثَرَ الْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} .

ألفاظ هذه الآية كُلُّها مُتَداوَلة لا غرابة في كلمة منها، فكانت متلائمة حنسة التجاور.

المثال الثالث: قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول) :

{وَلاَ تَرْكَنُو?اْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [الآية:113] .

في هذا النصّ تلاؤمٌ بديعٌ بين اللّفظ والمعنى المراد، وبيانُه أنَّ الرُّكُونَ إلى الذين ظَلَمُو نوْعٌ من الميْلِ إليهم والاعتماد عليهم، دون انغماس معهم في الظلم، فلاءم هذا المعنى أن يُخْتَارَ في بيان العقاب لفظ {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} لأنّ المسّ فيه معنى ملاصقة النار دون الانغماس فيها.

أي: فعذاب من يركَنُ إلى الظالمين هو من نوع عذاب الظالمين، لكنَّهُ دُونه في الكيف والكَمّ، إنّه للراكنين مسّ، لكنّه للظالمين انغماسٌ وحريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت