فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 575

يخرج من الملة، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك؛ فإنه آثم يعتبر كافرًا كفرًا أصغر، وفاسقًا فسقًا أصغر لا يخرجه من الملّة؛ كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة.

هذا الجواب فيه إجمال، ولا شك أن المفتي في مثل هذه المسائل المهمة والعظيمة لابدّ له أن يفصل في الجواب تفصيلًا لا يدع السائل في حيرة وشك، خاصة وأن أكثر الناس يعلمون أن المستحل لما حرمه الله يكفر؛ فإن هذا موضع إجماع في الأمة، ولا شك أن السائل في مثل هذه المسألة يريد جوابًا تفصيليًا يزيل عنه الشبهات والظنون.

والرد على هذه الفتوى المجملة يكون بالتفصيل في بيان حقيقة الحكم بغير ما أنزل الله الذي أفتى فيه ابن عباس وغيره من السلف وحقيقة الحكم بغير ما أنزل الله الواقع في زماننا، وبعد ذلك ننزل الحكم الشرعي على كل صورة.

فالحاكم بغير ما أنزل الله لا يخلوا من حالتين:

الأولى/ أن يكون ملتزمًا بالحكم بما أنزل الله، ومصدره في ذلك الكتاب والسنة، ولكنه في بعض القضايا يجور في الحكم دون أن يبدل حكم الله أو يستبدله بغيره، فهذا كفره كفر أصغر وعليه يحمل قول ابن عباس وغيره من السلف لأن هذه هي الصورة التي كانت موجودة في عهدهم، وهذا الصنف هو الذي لا يكفر كفرًا أكبر مادام أنه لم يستحل، أو يفضل أو يجوز الحكم بغير ما أنزل الله.

الثانية/ أن يبُدل حكم الله، ويضع القوانين المخالفة لحكم الله ويحكم بها بدلًا عن حكم الله، فإن هذا مشرع مع الله، قد جعل نفسه ندًّا لله ينازعه في حكمه وتشريعه، وينازعه في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وهو دافع لحكم الله رادٌّ له مقدم حكم غيره عليه، وهو بذلك يلزم الناس بالحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير حكم الله، والخضوع والرضوخ والانقياد لغير حكم الله، وهذا كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة وحتى لو قال أخطأتُ وحكم الله أفضل.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: وخُضوع الناس ورضوخهم لحكم ربِّهم خضوعٌ ورضوخٌ لِحُكم مَنْ خلقهم تعالى ليعبدوه فكما لا يسجدُ الخلقُ إلاّ للهِ، ولا يعبدونَ إلاّ إياه ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلاّ لحُكم الحكيم العليم الحميد، الرءوف الرحيم. اهـ

وقال رحمه الله:"لو قال من حكّم القانون أنا أعتقد أنه باطل فهذا لا أثر له، بل هو عزلٌ للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطلة. [فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم،189/ 6] ."

وقال رحمه الله في أقسام الحكم بغير ما أنزل الله الكفرية المخرجة من الملة:

الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادًا وإمدادًا وإرصادًا وتأصيلًا وتفريعًا وتشكيلًا وتنويعًا وحكمًا وإلزامًا ... فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيّأة مكملة، مفتوحةُ الأبواب، والناسُ إليها أسرابٌ إثر أسراب، يحكم حكّامها بينهم بما يخالف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت