فهرس الكتاب
أخطأ في تصورها على حقيقتها وليست الأدلة متضاربة فيها أو متعارضة، ومسألة تحكيم القوانين الوضعية من هذا النوع، فإنّ أكثر من أفتى بعدم كفر الحاكم بالقوانين الوضعية لم يتصور المسألة تصورًا صحيحًا، أو لم يُحط بالمسألة من جميع جوانبها؛ لذلك جاء حكمهم فيها خاطئًا، فإنهم قاسوها على جور بعض الحكام في الدولة الأموية والعباسية، وأنزلوها منزلتها في الصورة والحكم، وهذا خطأ فادح فإنّ الاختلاف بين الصورتين أوضح من الشمس في رابعة النهار، فالأمويون وغيرهم من الولاة الذين كان يقع منهم الجور في الحكم ونحو ذلك لم يتركوا حكم الله ويضعوا القوانين الوضعية المخالفة للشرع بدلًا عن أحكام الشرع ويلزموا الناس بالحكم بها والتحاكم إليها وإنما كان حكمهم في الأصل بالشرع وهو المصدر الوحيد في الحكم، وإنما كان يقع منهم جور وظلم في بعض الأحكام دون تقنين أو استبدال لحكم الله، بخلاف الطواغيت الذين استبدلوا أحكام الشرع بأحكام أخرى فإنّ هؤلاء وضعوا أحكامًا مخالفة لأحكام الشرع وجعلوها بدلًا عنها، والذي يُسوِّي بين الصورتين يجمع بين المتضادين ويُسوِّي بين النقيضين.
قال المؤلف:[وقال النووي في كتابه"رياض الصالحين"في تفسير (بواحًا) أي ظاهرًا لا يحتمل تأويلًا.
وتنازعُ أهل العلم تأويلٌ يمنع التكفير؛ لأن للمكفر أن يأخذ قول العلماء الآخرين بما أن الخلاف سائغ بين أهل السنة وهم من أهل السنة] .
أقول: ليس كل تأويل يعتبر مانعًا من التكفير، وليس كل تأويل معتبرٌ في الشريعة، بل لابدّ أن يكون هذا التأويل له وجه في الشرع أو اللغة وتحتمله الأدلة، وإلا فإنه ما من مبتدع بل ولا مشرك إلا وتجد عنده بعض التأويلات التي سوّغت له ما يفعل، بل حتى كفار قريش كانت عندهم بعض التأويلات التي استندوا إليها واعتمدوا عليها في تبرير شركهم كما حكاه الله عنهم في آياتٍ من كتابه مثل قوله تعالى: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقوله: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله .. } .
ولو أخذنا بهذا القول لأسقطنا كثيرًا من أحكام الشرع، ولأهملنا كثيرًا من نصوص الوحيين لوجود الخلاف.
والخلاف إن كان سائغًا فإن العالم يفتي بما تبين له من الأدلة ولا يصح أن يكون الخلاف مانعًا من اعتبار الدليل ومن تنزيل الحكم.
ومسألة الحكم بالقوانين الوضعية سواء وضعها الحاكم من عنده أو أخذها من غيره ليست مسألة ظلم ومعصية فحسب بل هي مسألة توحيد، وعبادة، وتشريع، وتحليل وتحريم، فلا يصحّ أن نقيسها على مسألة الظلم في الحكم مع التزام الحكم بالشريعة وعدم التبديل، والذين يخالفوننا في حكم الحاكمين بغير ما أنزل الله الذين نحّوا شرع الله وحكموا بغيره أو استبدلوا بعض الأحكام الشرعية بأحكام أخرى، لم يُعطوا المسألة حقها من النظر الصحيح، ولم يُنزلوها منزلتها الصحيحة قبل الحكم فيها، ومن هنا دخل عليهم الخلل فهم جعلوها معصية من قبيل الظلم، وغفلوا عن كونها منازعة لله في ربوبيته وتحليل لما حرم الله وتحريم لما أحل الله، وتشريع مع الله، وتعبيد الناس لغير الله في التحاكم.