فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 575

قال المؤلف:[والجواب على الحجة الأولى يكون بما يلي: أ-لا أخالفك أن الشارع علّق الحكم بوصف (الكافر) على مجرد التحكيم بغير ما أنزل الله لكنني أقول بأن الكفر هنا أصغر لا أكبر للأدلة التالية:

1 -أن الأخذ بعموم الآية يلزم منه تكفير المسلمين في أي حادثةٍ لم يعدلوا فيها بين اثنين حتى الأب مع أبنائه بل والرجل في نفسه إذا عصى ربه؛ لأن واقعه أنه لما عصى ربه لم يحكم بما أنزل الله في نفسه ووجه هذا اللازم أن لفظة (مَنْ) عامةٌ تشمل كل عالم (وما) عامة تشمل كل ما ليس بعالم ومن لم يعدل بين بنيه داخلٌ في عموم (من) ومسألته التي لم يعدل فيها داخلةٌ في عموم (ما) .

فالنصوص الدالة على عدم كفر مثل هذا وكل عاصٍ تكون صارفةً للآية من الأكبر إلى الأصغر لأجل هذا أجمع العلماء على عدم الأخذ بعموم هذه الآية، إذ الخوارج هم المتمسكون بعمومها في تكفير أهل المعاصي والذنوب ولم يلتفتوا إلى الصوارف من الأدلة الأخرى.

قال ابن عبد البر: وقد ضلَّت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بآيات من كتاب الله ليست على ظاهرها مثل قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} . اهـ.

وقال: أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمَّد ذلك عالمًا به ... ا. هـ

وقال محمد رشيد رضا:"أما ظاهر الآية لم يقل به أحدٌ من أئمة الفقه المشهورين. بل لم يقل به أحدٌ قط"اهـ فلعلَّه لا يرى الخوارج أيضًا متمسكين بظاهر الآية لكونهم لا يكفِّرون بالصغائر وظاهر الآية تشمل حتى الصغائر.

وقال الآجري: ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ويقرءون معها {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} فإذا رأوا الإمام الحاكم يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك، فهؤلاء الأئمة مشركون، فيخرجون فيفعلون ما رأيت؛ لأنهم يتأولون هذه الآية ا. هـ.

وقال الجصاص:"وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود. ا هـ"

وقال أبو حيان:"واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى فهو كافرٌ وقالوا هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر ا. هـ"

انظر - يا رعاك الله - توارد كلمات علماء الأمة في ذم الأخذ بعموم الآية وأنه مذهب الخوارج، فكن حذرًا.]

أقول: إنّ قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} يشمل الكفر الأكبر والكفر الأصغر على التفصيل الذي مرّ في الصفحات الماضية، ونحن لا نقول بقول الخوارج المارقين بل قولنا خلاف قولهم واستدلالنا بالآية خلاف استدلالهم وهذا يتبين لك من وجوه:

الأول/ أن الخوارج استدلوا بها على كفر من حكم بغير ما أنزل الله مطلقًا، ونحن نفصل في المسألة على ما تقدم ذكره فانتبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت