فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 575

ولو حصل أن أحد العلماء الذين يدعون إلى الجهاد حملها على الإطلاق فإن قوله شاذ وليس هو قول جميع ولا غالب مشايخ المجاهدين، وبالتالي فلا يعتبر رأيه رأيًا للمنهج، بل لكل جواد كبوة، ومن المهم أن تعلم أنه لو قال أحد بذلك ولم يكن قوله مبني على أصول الخوارج فإنه لا يعتبر خارجيًا، بل مجتهدًا مخطئًا مادامت أصوله أصول أهل السنة والجماعة، وهذا أمر ينبغي التنبه له، فإن بعض العلماء يكون على أصول أهل السنة والجماعة ولكن يشذ في مسألة مجتهدًا فإنه لا يخرج من مذهب أهل السنة والجماعة وخطؤه مردود.

الثاني/ أن الخوارج بنوا ذلك على أصلهم الضال في تكفير مُرتكب الكبيرة، ونحن لا نكفر صاحب الكبيرة، بل نقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وإن مات ولم يتب فإنه تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه.

وأقوال العلماء التي ذكرها المؤلف هي فيمن يحكم بغير ما أنزل الله في بعض القضايا دون أن يستبدل حكم الله بحكم غيره مع التزامه بحكم الله في الأصل، وأقوالهم هذه موافقة لقول ابن عباس وغيره عندما سئلوا عن حكم الدولة الأموية، وليس مرادهم قطعًا من نحّى حكم الله واستبدله بحكم غيره؛ لأن الصورة التي كانت في عصرهم هي الجور في بعض الأحكام مع التزام شرع الله وكونه المصدر الوحيد للحكم، أما تركُ حكم الله والحكم بالقوانين بدلًا عنه فهذا لم يحصل في التاريخ إلا في عهد التتار وما بعده، فلا يصح حمل أقوال العلماء التي قصدوا بها ما كان في الدولة الأموية والعباسية ونحوهما، على الحكم الحاصل في زماننا، فإن بين الحالتين بون شاسع وبين الصورتين فرق كبير.

ونحن نتحدّى المؤلف ومن على رأيه أن يأتونا بقول عالم معتبر من العلماء المتقدمين يقول: بأن تنحية حكم الله والإتيان بأحكام أخرى، وتعميمها على المحاكم تحكم بها بدلًا عن حكم الله، أن ذلك ليس كفرًا أكبر.

قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله في عمدة التفسير: لم يكن سؤال الخوارج لأبي مجلز عمّا احتج به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكمٍ غير حكم الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه. [عمدة التفسير4/ 157]

قال المؤلف: [فرجحت احتمال إرادة الأصغر لثلاثة أمور:

أ - أن أصحاب ابن عباس كطاووس صرَّحوا بأن المراد بالآية كفر لا ينقل عن الملة بإسناد صحيح رواه ابن نصر وابن جرير في تفسيره. فهذا يغلِّب جانب احتمال إرادة الكفر الأصغر فيصير من باب الظن الغالب وهو كافٍ للاستدلال فإن أقوال أصحاب الرجل توضِّح قوله بل قد يُعلُّ ويُضعَّف قول الرجل إذا كان أصحابه على خلاف قوله كما فعل يحيى بن سعيد في تضعيف قولٍ لابن مسعود لأن أصحابه على خلافه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت