فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 575

ب - أنني لا أعرف أحدًا من العلماء الماضين جعل قولا آخر لابن عباس بناءً على هذه الرواية وإنما من جعل منهم لابن عباس قولا آخر اعتمد على ما روي عنه من أنه فسر الآية بالجحود وإسناده ضعيفٌ ثم أيضًا مما يقوِّي عدم إرادة ابن عباس الكفر الأكبر أن فتنة الخوارج في زمانه وكانوا متمسكين بهذه الآية في التكفير وكانت له معهم مناظراتٌ فتفسير الآية بالكفر الأكبر لا فائدة منه في الرد عليهم فتنبه هُديت الرُّشد.

ج- أن الرواية الضعيفة التي فيها التصريح بأنه كفر دون كفر ليس ضعفها شديدًا، فإنه قد وثق بعض أهل العلم هشام بن حجير فيعتضد بها في بيان معنى الآثار الصحيحة وأن المراد بها كفر أصغر].

أقول: إنّ قول بن عباس رضي الله عنهما لا يصح حمله على حكام اليوم؛ لأن ابن عباس قال ذلك في عهد الأمويين، ومن المعلوم أن الدولة الأموية كانت تحكم بشرع الله ولكن كان يحصل من بعض الأمراء جور في الحكم على طوائف من الناس، ولكنهم لم يؤخروا أحكام الشرع ويستبدلوها بغيرها، هذا لم يحصل منهم على الإطلاق، فإن استبدال أحكام الشرع بالقوانين الوضعية لم يحصل إلا في عهد التتار بعد موت ابن عباس بقرون، وأما حكام اليوم فقد نَحَّوا شرع الله وأتوا بالقوانين المخالفة ونصبوها للحكم بين الناس، وألزموا الناس بها، وبين المسألتين فرق كبير، فالجور في الحكم في بعض القضايا مع التزام الحكم بالشريعة ليس كاستبدال أحكام الشريعة بغيرها، وهذه المسألة أشبعتُها توضيحًا في التفصيل السابق فلا نحتاج إلى التكرار، ولكن أحب أن أورد ما قاله الشيخان الفاضلان أحمد ومحمود شاكر في هذه المسألة:

قال الشيخ العلامة أحمد شاكر في"عمدة التفسير"تعليقًا على أثر ابن عباس المشار إليه أن: «هذه الآثار عن ابن عباس وغيره مما يلعب بها المضللون في عصرنا هذا من المنتسبين للعلم ومن غيرهم من الجرءاء على الدين يجعلونها عذرًا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة التي ضُربت على بلاد الإسلام، وهناك أثرٌ عن أبي مجلز في جدال الإباضية الخوارج إياه فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة عمدًا إلى الهوى أو جهلًا بالحكم، والخوارج من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء ليكون ذلك عُذرًا لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف، وهذان الأثران رواهما الطبري [تحت رقم] «12025» و «12026» وكتب عليهما أخي محمود محمد شاكر تعليقًا نفيسًا جدًا قويًا صريحًا ... » ثم قال: «فكتب أخي محمود محمد شاكر بمناسبة هذين الأثرين ما نصّه: «اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد فإن أهل الريب والفتن ممن تصدّروا الكلام في زماننا هذا قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام، فلمّا وقف على هذين الأثرين، اتخذهما رأيًا يرى صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي عنها والعامل عليها ... ومن البيّن أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية إنما كانوا يريدون أن يُلزموه الحجة في الأمراء لأنهم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت