فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 575

أقول: صحيح أن مَن بدّل حكم الله وجعل حكمًا آخر مكانه وزعم أن هذا هو حكم الله فإنه يعتبر مبدّلًا لحكم الله وكاذبًا على الله، ولكن هل التبديل لا يكون إلا إذا زعم أن الحكم الآخر هو حكم الله؟

إن حقيقة التبديل في اللغة هو وضع شيء مكان آخر، بحيث لا يجتمع البديل والمبدل في آن واحد، وهذه الحقيقة عينها واقعة في إزاحة حكم الله ووضع آخر مكانه.

والتبديل الحاصل من الطواغيت في الحكم يقع على صورتين:

الأولى/ تبديل حكم الله من الحرمة إلى الحل أو العكس، كمن يسمح ويأذن بفعل الفواحش ويجعل ذلك نظامًا في دولته، ولا يعتبر فاعل ذلك المحرم مجرمًا في النظام، ويسقط الحد الذي شرعه الله على فاعله، ويعاقب من سعى في إبطاله.

كذلك الربا: بأن يسمح للبنوك التعامل به، ويسمح للشعب الدخول فيه، ولا يعتبر الداخل فيه مجرمًا في النظام، ويُلزم المتعاقد على القروض الربوية بدفعها، ولا يسمح للشرع بالحكم فيه، ويُمنع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من إزالته.

فهذه الصور وغيرها هي من تبديل حكم الله، فما حرمه الله وشرع فيه أحكامًا خاصة من عقوبات وغيرها، أحله النظام وأسقط عنه ما شرع الله فيه.

الثانية/ تبديل حكم الله في الحدود والجنايات ونحوها مع الإقرار بأن الفعل جريمة، كمن يجعل حكم السرقة السجن أو الغرامة بدل القطع، أو السجن مكان القصاص، ونحو ذلك، فهذا قد جعل الحكم المخالف بدلًا عن حكم الله، بحيث أسقط حكم الله وجعل غيره مكانه.

ولا ينبغي النظر إلى مثل هذه الصور وغيرها نظرة سطحية جوفاء، بل إن الناظر إلى هذا الأمر على حقيقته يعلم يقينًا أن هذا التبديل هو عين المحادّة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو التشريع مع الله، وهو إلزام الناس بالخضوع والرضوخ لغير الله وحكمه، ومعارضة أحكام الله بأحكام غيره، وهو عين الاستهانة بالله وبأحكامه، وهو صدٌّ عن حكم الله وعدم رضىً به، وهو نبذٌ لشرع الله وتأخير لحكم الله وتقديم لحكم غيره، وهو التمرد على الله وأحكامه، وهو دفع لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إعراض عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نقض لشهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

قال ابن القيم:"وأما الرضا بنبيه رسولًا: فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره، وباطنه، ولا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه، بل إن الحكم بما أنزل الله - تعالى - هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله. . [مدارج السالكين، ج2،ص172] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت