فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 575

وإنما ننظر إلى القرائن والأدلة على كونه فَعَلَ ذلك على وجه الجحود أو الاستحلال فيما ليس بمكفرٍ في الأصل وإنما هو معصية ما لم يقترن به الجحود أو الاستكبار أو الاستحلال.

قال ابن تيمية رحمه الله: من سب الله ورسوله طوعا بغير كره بل من تكلم بكلمات الكفر طائعا غير مكره ومن إستهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطنا وظاهرا. اهـ [مجموع الفتاوى، ج7،ص557]

لاحظ أن شيخ الإسلام بين أن سب الله أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو الاستهزاء بالدين كفر ولم يشترط تعلقه بالقلب، بل حكم بكفره ظاهرًا وباطنًا، لأنه أتى بقولٍ أو فعلٍ مكفّر في حدّ ذاته، كذلك من أقرّ بوجوب الصلاة ثمّ هو يصر على تركها يكفر لأنّ الشرع علّق الحكم بالظاهر وهو الترك.

وقال رحمه الله: فمن قال كلمة الكفر من غير حاجة عامدا ً لها عالما ًبأنها كلمة كفر فإنه يكفر بذلك ظاهرا ًوباطنا ًولا نُجّوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا ًومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام قال الله سبحانه وتعالى: (مَن كفر بالله مِن بعد إيمانه إلا مَن أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان ولكن مَن شرح بالكفر صدرا فعليهم غضبٌ مِن الله ولهم عذابٌ عظيم) ، معلوم أنّه لم يُرد هنا بالكفر اعتقاد القلب فقط, لأن ذلك لا يكره الرجل عليه, وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد, لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول, وإنما يكره على القول فقط, فَعُلِم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضبٌ من الله وله عذاب عظيم وإنه كافر بذلك إلا من أكره وهو مطمئن ٌ بالإيمان , ولكن من شرح بالكفر صدرا ً من المكرهين فإنه كافر أيضا ً, فصار من تكلم بالكفر كافرا ً إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئنٌ بالإيمان". [الصارم: 500] ."

والفرق بين اشتراط عمل القلب وبين الاستدلال بالفعل على ما في القلب: أن الذين اشترطوا عمل القلب لم يكفروا حتى يعلموا أن العمل القلبي هو السبب في ترك الفعل أو الإقدام عليه، والذين استدلوا بالفعل على ما في القلب كفروا بالفعل وإن استدلوا بالفعل على ما في القلب لكن ليس ذلك شرطًا لإنزال الحكم على الفاعل، هذا فيما علّق الشرع الحكم فيه على مجرد الفعل أو الترك وكان الحكم فيه الكفر الأكبر، كترك الصلاة، أو سب الدين، أو الاستهزاء به، أو موالاة الكفار على المسلمين على ما سيأتي تفصيله في شبهة الموالاة.

ونحن مأمورون أن نأخذ الناس بالظاهر ونكِلَ سرائرهم إلى الله قال عمر رضي الله عنه: إنّ أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم. رواه البخاري

ثمّ إن العلم بما في البواطن لم نُكلف بمعرفته وليس لنا إلى ذلك سبيل، بل مرد ذلك إلى الله، وإذا لم نحكم على الناس بالظاهر فلن نستطيع أن نحكم على أحد، فكل أحد يستطيع أن يدعي أن باطنه خلاف ظاهره.

أما المعاصي التي ليست كفرًا فإنه لا يُحكم بكفر فاعلها إلا إذا صرّح بالتكذيب أو الاستحلال أو دلت القرائن على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت