فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 575

ـ أما مَن أصَرّ على ترك واجب غير الصلاة أو أصَرّ على فعل محرّم كالزنا وشرب الخمر ونحوهما مع إقراره بأنه عاصٍ ومستحق للعقاب فإنه في هذه الحالة لا يكفر وهو عند أهل السنة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.

وقد يشكل على بعض الناس الفرق بين الامتناع من أداء الواجب أو ترك المحرم وبين الإصرار على فعل المحرم أو ترك الواجب، ولتوضيح الفرق نقول:

إنّ الإصرار على ترك الواجب، أو فعل المحرم - غير المكفر- يعتبر في الأصل من المعاصي ما لم يقترن بجحود أو استحلال.

أما الامتناع من فعل الواجب أو ترك المحرم- الواضح الصريح- فإنه يكون بعد الأمر والتهديد بحيث تحصل منه ممانعة ومدافعة فإنّ هذا يكفر لامتناعه من التسليم لأمر الله وهذا ما فهمه وعمل به الصحابة رضي الله عنهم في قتالهم لمانعي الزكاة وحكمهم عليهم بالردّة حين امتنعوا من دفع الزكاة وقاتلوا على ذلك.

يقول الجصاص في (أحكام القرآن) : "وفي هذه الآية: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك .... } دلالة على أن من رد شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك .. أو ترك القبول والامتناع من التسليم .. وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد

من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم فليس من أهل الإيمان" اهـ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولا يتصور في العادة أن رجلا يكون مؤمنا بقلبه مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة ملتزما لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل ويكون مع ذلك مؤمنا في الباطن قط لا يكون إلا كافرا ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أنى لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبا منه كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله أو جعل يقتل نبيا من الأنبياء ويقول أشهد أنه رسول الله ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول.

الوجه الثاني/ أنّ شيخ الإسلام بيّن أن جمهور الصحابة والتابعين على كفر تارك الصلاة، وهذا بمجرد الترك دون اشتراط ما في القلب، ثمّ ذكر أنّ مورد النزاع عند من خالف الجمهور في حكم تارك الصلاة هو فيمن أقرّ بوجوبها والتزم فعلها ولم يفعلها، والحق فيما ذهب إليه جمهور الصحابة لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّق الحكم بالترك ولم يشترط الجحود أو الاستكبار في قوله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ، وبهذا تعلم أنّ عدم تكفير تارك الصلاة لكونه ملتزمًا فعلها مع عدم أدائها إنما هو قول بعض العلماء، وجمهور الصحابة والتابعين على خلافه، قال شقيق بن عبد الله العقيلي: ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت