فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 575

كافرا ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أنى لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبا منه كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله أو جعل يقتل نبيا من الأنبياء ويقول أشهد أنه رسول الله ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول.

فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل أو يقتل مع إسلامه فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان وأن الأعمال ليست من الإيمان وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان. [مجموع الفتاوى، ج7،ص613] .

فقول المؤلف: [لذا لما أراد ابن تيميه التعبير بالالتزام الفعلي قيده بوصف (الفعلي) ثم لم يجعله مكفرًا لذاته بل لأمر آخر عقدي] .

يَردُّ عليه قول شيخ الإسلام: وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابا لهم عن التارك مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي. اهـ

فإنّ شيخ الإسلام بيّن هنا أنّ النصوص علقت الكفر بالتولي وهو الترك ولم يأتِ دليل في كفر تارك الصلاة يشترط أمرًا قلبيًا كالجحود أو الاستكبار، ولو كان الكفر بترك الصلاة لابدّ فيه من الأمر القلبي لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، ثمّ إن الجاحد أو المستكبر يكفر في أي واجبٍ تركه على سبيل الجحود أو الاستكبار فأيُ خصوصيةٍ إذًا للصلاة؟ وما فائدة تخصيصها بالحكم إذا كان الحكم لا ينطبق إلا باشتراط الأمر القلبي الذي يشترط في كفر تارك غيرها من الواجبات؟

وبهذا تعلم أنّ قول المؤلف وتأصيله السابق إنما هو لتلوثه بالمذهب الإرجائي، لهذا قوّل شيخَ الإسلام ما لم يقل وأصّل معنى الالتزام وجعله مطَّرِدًا في جميع الواجبات على أصول المرجئة استنباطًا من قول مَن خالف جمهور الصحابة والتابعين.

قال القرطبي في تفسيره: وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها لغير عذر وأبى من أدائها وقضائها وقال لا أصلي فإنه كافر ودمه وماله حلالان ولا يرثه ورثته من المسلمين ويستتاب فإن تاب وإلا قتل وحكم ماله كحكم مال المرتد وهو قول إسحاق قال إسحاق: وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا. اهـ

فلاحظ أن حكم الصحابة والتابعين تعلق بالترك ولم يعلّقوه بالجحود أو الاستكبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت