فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 575

وقال عبدالله بن المبارك رحمه الله: من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتا في وقت فهو كافر.

فإن قيل: معنى هذا أنّ من ترك صلاة واحدة متعمدًا يكون كافرًا عندكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علّق الحكم بالترك.

فالجواب: لقد قال بعض السلف بهذا تمسكًا بظاهر الحديث كما مرّ قول ابن المبارك رحمه الله، وبعضهم حمله على الاستمرار ولم يشترط أحد منهم الجحود أو الاستكبار، وبهذا تعلم أن الخلاف ليس في الحكم بالكفر، ولكن الخلاف في المراد بالترك هل هو المرة الواحدة أو الاستمرار.

والمقصود أنّ من ترك الحكم بما أنزل الله وحكم بغيره وزعم أنه ملتزم بتحكيم شرع الله فإنه لا تنفعه هذه الدعوى لأنه قول يكذبه الفعل، وكيف يكون ملتزمًا بالحكم بما أنزل الله وهو يلزم الناس بالحكم والتحاكم إلى غير شرع الله من الأنظمة والقوانين البشرية ويعاقب من خالفها أو سعى في إبطالها.

إنما مثل هذا مثل الذي يقول: أنا أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وألتزم التوحيد ثمّ هو يشرك بالله، فهل ينفعه دعوى الالتزام مع فعله ما يناقض ذلك؟ كذلك الذي يقول: أنا ملتزمٌ حكم الله ثمّ هو يؤخر حكم الله ويحكم بأحكام البشر، فإنه يناقض قوله.

ثمّ إنّ الأمر غير مقتصر على الالتزام فإنه قبل ذلك منازعة لله في التشريع والحكم، وتأخير لحكم الله ودفع له واستبداله بأحكام مخالفة، وتعبيد الناس لغير الله في التحاكم، وفصلٌ للدين عن السياسة، وتسيير نظام الدولة على شريعة الطاغوت.

وإنما يُتصور الالتزام بحكم الشرع فيمن يحكم بالشرع في الأصل ولم يجعل أحكامًا أخرى بدلًا عن حكم الشرع ولكن في قضية ونحوها حمله الهوى أو الرشوة أو القرابة لأن يحكم بغير ما أنزل الله مع اعترافه بالخطأ والتزامه الحكم بما أنزل الله في الأصل.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل. أهـ [فتاوى محمد بن إبراهيم 12/ 280]

وقال الإمام بن القيم رحمه الله: إن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأكبر والأصغر، بحسب حالة الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في الواقعة وأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر. اهـ [مدارج السالكين، ج1،ص336]

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:"لو قال من حكّم القانون أنا أعتقد أنه باطل فهذا لا أثر له، بل هو عزلٌ للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطلة. [فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم،189/ 6] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت