فهرس الكتاب
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: وخُضوع الناس ورضوخهم لحكم ربِّهم خضوعٌ ورضوخٌ لِحُكم مَنْ خلقهم تعالى ليعبدوه فكما لا يسجدُ الخلقُ إلاّ للهِ، ولا يعبدونَ إلاّ إياه ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلاّ لحُكم الحكيم العليم الحميد، الرءوف الرحيم. اهـ
وقال الإمام الشنقيطي:"الإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله، وتشريعًا غير تشريع الله، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، ولا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله. [الحاكمية في تفسير أضواء البيان لعبدالرحمن السديس ص 52، 53 = باختصار، وانظر أضواء البيان للشنقيطي 7/ 162] ."
قال المؤلف:[يلزم على قولهم أن من المكفرات عند أهل السنة الإصرار على المعصية تركًا لواجب أو فعلًا لمحرم فأين هو من كلامهم؟ بل إن كلامهم المسطور في كتب المعتقد أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، وذلك رد على الخوارج المكفرين بارتكاب الكبائر.
ويلزم على قولهم أن المصر على المعصية بفعل المحرم أو ترك الواجب كافر. وهذا مخالف لما ثبت عن ابن عباس أنه قال: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير في تفسيرهما لسورة النساء. ويدخل في كلامه ترك المأمور وفعل المحظور.
أنه لا دليل من الكتاب والسنة على التكفير بمجرد الإصرار على الذنب، والتكفير حق لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا مدخل للعواطف ولا للحماسات فيه، بل النصوص دلت على عدم تكفير المصر كحديث صاحب البطاقة وغيره].
نحن لم نقل إن الإصرار على المعصية كفر مطلقًا بل نفرّق بحمد الله بين المعاصي التي ليست بكفر وبين المعاصي التي هي كفر، فمن أصر على ترك الصلاة يكفر وإن زعم أنه مقر بوجوبها وحجتنا قول المعصوم صلى الله عليه وسلم، ولكن من أصر على معصية من فعل أو ترك لم يرد الشرع بكفر فاعله فإنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا نحكم عليه بالكفر ما لم يستحل، وهناك أحاديث جاء فيها وصف الفعل بأنه كفر ولكن مع جمع الأدلة تبين أن المقصود به الكفر الأصغر، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر) فإن القرآن سمى كلا الطائفتين المتقاتلتين بالإيمان كما في قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ... } إلى أن قال: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} ، إلى غير ذلك من الآثار.
والسلف رحمهم الله عندما أطلقوا هذه العبارة- (لا نكفر أحدًا بذنب ما لم يستحله) - لم يقصدوا بها العموم المطلق بل هم قالوها ردًا على الخوارج الذين يكفرون بالكبيرة، وبالتالي فإن مقصودهم بالذنب هنا الكبيرة وليس عموم الذنب، فإن سب الله ذنب والاستهزاء بالدين ذنب وإهانة المصحف ذنب وكلهم مجمعون على كفر فاعلها ولو لم يستحل.