فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 575

وَقَد أنكر الإمامُ أحمدُ إطلاق عبارة: لا نُكفِّر بذنبٍ، قال الخلاّل: أنبأنا محمد بن هارون أنَّ إسحاق بن إبراهيم حدثهم قال: حضرتُ رجلًا سأل أبا عبد الله فقال: يا أبا عبد الله اجتماع المسلمين على الإيمان بالقدر خيره وشرّه؟ قال أبو عبد الله: نعم، قال: ولا نُكفّر أحدًا بذنب؟ فقال أبو عبد الله: اسكت من ترك الصلاة فقد كفر ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر.

قال شيخ الإسلام [7/ 302] : (ونحنُ إذا قُلنا أهل السُّنَّة متّفقون على أنه لا يكفر بالذنب؛ فإنَّما نُريد به المعاصي كالزنا، والشرب) .

وقال أبو الحسن الأشعري في المقالات [1/ 347] حاكيًا مذهب أهل الحديث: (ولا يُكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ، كنحو الزِّنا والسَّرقة، وما أشْبَهَ ذلك من الكبائرِ) .

ثم إن الاستحلال لا يشترط أن يكون باللسان بل إنّ من الأفعال ما هو أبلغ في الدلالة من الأقوال، فمن فعل معصية واقترن بفعله علامات الاستحلال فإنه يحكم بكفره ولو لم يقل بلسانه إنه مستحل، ودليل ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خاله أبا بردة إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن يضرب عنقه ويُؤخذ ماله. وفي رواية قال: فما سألوه ولا كلموه. رواه أصحاب السنن وهو صحيح.

في هذا الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على الفاعل بالردة لأنه قتله وأخذ ماله ولو كان مسلمًا لكان ماله لورثته.

قال العلماء: إنّ هذا الرجل لما أعلن نكاحه بامرأة أبيه مع علمه بحرمة ذلك دلّ على أنه مستحل لذلك مسخفٌ بحكم الشرع محادٌّ لله ورسوله وبهذا يكون كافرًا مرتدًا.

ونكاح امرأة الأب ذنب كبير وليس بكفر، ولكن لما أحاطت بالفاعل القرائن التي تدل على أنه مستحل حُكم عليه بالردة استنادًا إلى القرائن، والقرينة هنا هي إعلان هذا النكاح المحرم، والذي يدل على أنه مستحل للفرج الحرام.

إذا تبين هذا فإن ترك الحكم بما أنزل الله والحكم بالقوانين الوضعية مع كونه كفرًا بحد ذاته لأنه منازعة لله وشرك معه في التشريع، هو كفر أيضًا لأنه دليل على الاستحلال والاستخفاف بحكم الله، والقرائن المحيطة به أعظم وأكثر وضوحًا من القرائن في الحديث السابق، فكونه يعلم بوجوب الحكم بما أنزل الله وحرمة الحكم بغيره، ويعلم أن الله أحكم الحاكمين وحكمه أحسن وأعدل الأحكام، ثمّ مع ذلك يشرّع الأحكام المخالفة ويجعل نفسه أو غيره ندًا لله، ويؤخر حكم الله، ويحكم بما خالفه، ويلزم الناس بذلك، لا شك أن هذا أبلغ في الدلالة على الاستحلال والاستخفاف بحكم الله.

وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليل.

وإلزامات المؤلف الباطلة هي نتيجة لخلطه الكبير في مسألة الحكم وألخصها في أمور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت