فهرس الكتاب
وجه الدلالة: أن هذا الرجل اعترض على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرض به ويسلِّم، ووجد في نفسه حَرَجًا ولم يكفِّره الرسول صلى الله عليه وسلم، وامتنع عن قتله خشية أن يكون مصليًا ولو كان واقعًا في أمرٍ كفريٍّ لم تنفعه صلاته لأن الشرك والكفر الأكبرين يحبطان الأعمال، فلا تنفع الصلاة معهما.
وأيضًا مما يدل على أن الرجل لم يقع في أمر كفري عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خالدًا أراد أن يحيله على أمر كفري خفي في القلب فلم يرتض هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان قوله كفرًا لتمسك به خالد بن الوليد ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس .."لأن هذا القول -المدعى أنه مكفر - قد ظهر منه، ومما يوضح أن هذه الكلمة ليست كفرًا أنه ثبت في الصحيحين عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم جئنه يناشدنه العدل في بنت أبي قحافة، ولم يكن هذا منهن كفرًا."
3/ ما روى الشيخان عن أنس بن مالك أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطي قريشًا وسيوفنا تقطر من دمائهم"وفي رواية لما فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم ..."
وجه الدلالة / أن هؤلاء استنكروا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدوا في أنفسهم حرجًا ولم يكفِّرهم صلى الله عليه وسلم.
لذا قال ابن تيمية: والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجبٍ من ذلك المسمى ومن هذا قوله تعالى {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد ... ا. هـ.
وقال ابن تيمية: فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة. وهذه الآية {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ... } مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله. وقد تكلم الناس بما يطول ذكره هنا، وما ذكرته يدل عليه سياق الآية. ا. هـ].
إنّ زعم المؤلف أنّ الإيمان المنفي في الآية هو كماله الواجب لا أصله يرد عليه:
قول ابن حزم رحمه الله تعالى في الفصل (3/ 293) عن هذه الآية: "فهذا هو النص الذي لا يحتمل تأويلًا ولا جاء نص يخرجه عن ظاهره أصلًا، ولا جاء برهان بتخصيصه في بعض وجوه الإيمان" اهـ.