فهرس الكتاب
ويقول الجصاص في (أحكام القرآن) عن هذه الآية بعد أن ذكر بعض معاني الحرج ومنها الضيق أو الشك: "وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك .. أو ترك القبول والامتناع من التسليم ..
وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد مَن امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله سبحانه تعالى حكم بأن مَن لم يُسلّم للنبي صلى الله عليه وسلم فليس من أهل الإيمان" اهـ.
ويقول ابن حزم في (الفِصَل) عن الآية ذاتها (3/ 235) : "فنص تعالى وأقسم بنفسه أنه لا يكون مؤمنًا إلا بتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما عَنّ، ثم يسلم بقلبه ولا يجد في نفسه حرجًا مما قضى، فصح أن التحكيم شيء غير التسليم بالقلب، وأنه هو الإيمان الذي لا إيمان لمن لم يأت به" اهـ.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله:"أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن وأن المؤمن هو الذي يقول: (( سمعنا وأطعنا ) )فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا تركٌ محض وقد يكون سببه قوة الشهوة". [الصارم: 69] .
وأما ما ذكره من الأدلة على أن المراد بالنفي كماله الواجب.
فأقول: إن من المقرر شرعًا أن ما ثبت حكمه بالأدلة الصحيحة الصريحة، ثمّ جاءت حادثة محتملة تخالف الأصل، فإنها لا تغير الحكم، ويسميها العلماء بحادثة عين، أو قضية عين، وهي لا تغير الأصل ولا يتأصَّلُ عليها حكم.
ولها أمثلة من الشرع منها:
ـ أن محمد بن مسلمة رضي الله عنه أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في النيل منه والكلام عليه حتى يصل إلى الطاغية كعب بن الأشرف ويقتله، ومعلوم أن سب النبي صلى الله عليه وسلم والنيل منه كفر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لمحمد بن مسلمة وتنازل عن حقه في هذه القضية لقتل اليهودي الذي كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن يأتي أحد بعد هذا ويسب النبي صلى الله عليه وسلم ليصل إلى قتل كافر، لأن الأول أذن له النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لغيره، وليس لأحد أن يتنازل عن حق النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يقاس عليها ولا يؤخذ منها أصل لأنها حادثة عين لها حكم خاص، ونحن نتمسك بالأصل وهو أن سب النبي صلى الله عليه وسلم من غير إكراه كفر.
والأمثلة التي ذكرها المؤلف هي من حوادث الأعيان وتوضيح ذلك:
المثال الأول/ قصة الأنصاري البدري الذي حكم النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين الزبير، فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك.
من المعلوم عندنا أنّ الذي يتهم النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه بالمحاباة وغيرها يكفر، لأنّ ذلك طعن في صدقه وأمانته، فلو جاء أحد الآن وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حابى ابن عمته الزبير بن العوام في الحكم فإنا نحكم بكفره لأنه اتهم النبي صلى الله عليه وسلم