فهرس الكتاب
في حكمه وهذا كفر، ولكن لما حصل هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم وعلمَ النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي والقرائن صحة إيمان الأنصاري وأنها كانت فلتة من لسانه وكان الخطأ بالطعن في حكمه متعلق بحق النبي صلى الله عليه وسلم تنازل عن حقه صلى الله عليه وسلم كيف لا وهو الذي أوصى بالأنصار خيرًا أن يُقبل من محسنهم ويعفى عن مسيئهم، ولكن بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ليس لأحد أن يتنازل عن حقه عليه الصلاة والسلام، ومثل هذا يُقال في قصة الأنصار في غزوة حنين حين صدر منهم ما صدر.
قال في التحرير والتنوير: وليس هذا الأنصاري بمنافق ولا شاك في الرسول فإنهم وصفوه بالأنصاري وهو وصفٌ لخيرة من المؤمنين وما وصفوه بالمنافق ولكنه جهل وغفل فعفا عنه رسول الله ولم يستتبه.
قال ابن العربي في الأحكام 5/ 267: كل من اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فلتة، وليست لأحدٍ بعد النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ
المثال الثاني/ وهي قصة الذي اعترض على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم، وقال: يا رسول الله اتق الله، وفي رواية قال: يا محمد اعدل.
فهذا الاعتراض على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل كفر أكبر، ولكن لما كان حقًا له عليه الصلاة والسلام عفا عنه وله أن يعفو عن حقه، ولكن الأصل هو كفر من اتهم النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه كما مرّ قول ابن العربي رحمه الله، ولو قال هذا أحد بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهمه بعدم العدل فإنه يكفر بإجماع أهل السنة، وبالتالي فلا يؤخذ من مثل هذه القضايا أصل شرعي لأنها قضايا أعيان، والواجب الرجوع إلى الأصل وهو كفر من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو اتهمه في حكمه.
وأما قول المؤلف [وجه الدلالة: أن هذا الرجل اعترض على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرض به ويسلِّم، ووجد في نفسه حَرَجًا ولم يكفِّره الرسول صلى الله عليه وسلم، وامتنع عن قتله خشية أن يكون مصليًا ولو كان واقعًا في أمرٍ كفريٍّ لم تنفعه صلاته لأن الشرك والكفر الأكبرين يحبطان الأعمال، فلا تنفع الصلاة معهما]
هذا قول باطل، بل وقع المعترض في أمر كفري صريح ولكن لما كان الكفر الذي وقع فيه متعلق بحق النبي صلى الله عليه وسلم تجاوز عليه الصلاة والسلام عن حقه.
وأما الاستدلال على عدم كفره لكونه يصلي فلا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن قتله حماية لسمعة الدعوة وليس لكونه لم يكفر، فإنه لما كان يصلي كان يظهر الإسلام ولو قتله النبي صلى الله عليه وسلم لتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحرص ما يكون على تأليف القلوب وتحبيب الدعوة للناس والذي يدل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم عندما قال رأس المنافقين: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
قال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال له عليه الصلاة والسلام: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) ، فهذا قد قال كلمة الكفر وظهر نفاقه ومع ذلك امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله حماية لسمعة الدعوة.