فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 575

وأيضًا مما يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن قتل من علم كفره ونفاقه لكونه يؤدي الصلاة لا لكونه لم يكفر ما رواه الإمام مالك في الموطأ والشافعي في مسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن الخيار أن عبد الله بن عدي بن الحمراء حدثه أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس يُسَارُّه يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أليس يشهد ألا إله إلا الله؟) قال الأنصاري: بلى ولا شهادة له. قال: (أليس يشهد أن محمدًا رسول الله؟) قال الأنصاري: بلى ولا شهادة له. قال: (أليس يصلي؟) قال الأنصاري: بلى ولا صلاة له. فقال عليه الصلاة والسلام: (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) .

تأمل هذا الحديث: فإن النبي صلى الله عليه وسلم مقرٌّ بأنه منافق وذلك بسكوته عند قول الأنصاري: بلى ولا شهادة له، بلى ولا صلاة له.

وأيضًا قول الراوي في صدر الحديث: يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فدل على أن نفاقه كان معلومًا لدى الصحابة.

ولكن مع ذلك لم يقتله مع إقراره بكفره ونفاقه، لأنه مظهر للإسلام وقتله ليس في صالح الدعوة، فترك قتله مع علمه بكفره، ولم يقل للأنصاري: صلاته تمنع من تكفيره.

وبالتالي تعلم بطلان قول المؤلف [وامتنع عن قتله خشية أن يكون مصليًا ولو كان واقعًا في أمرٍ كفريٍّ لم تنفعه صلاته لأن الشرك والكفر الأكبرين يحبطان الأعمال، فلا تنفع الصلاة معهما] .

فإن هذا المنافق قد طعن في النبي صلى الله عليه وسلم وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله ليس لكونه لم يكفر ولكن لما كان يصلي خشي النبي صلى الله عليه وسلم على سمعة الدعوة فترك قتله ولو كان إتيانه بالصلاة مانعًا من تكفيره لم يُعلل النبي صلى الله عليه وسلم ترك قتله لئلا يتحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه لأنه لو كان مسلمًا لبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولبين أنّ إسلامه هو الذي منع من قتله، خاصة وأنّ العلة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم تزول بظهور الإسلام وانتشاره، ولو كان إتيانه بالصلاة مانعًا من تكفيره لرد النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصاري قوله: ولا شهادة له ولا صلاة له؛ فإن هذه ألفاظ دالة على التكفير، فلما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله مع إقراره بكفره دلّ على أن الأمر ليس لكونه لم يكفر ولكن لكونه يظهر الإسلام والمصلحة في عدم قتله.

وأما قول المؤلف [وأيضًا مما يدل على أن الرجل لم يقع في أمر كفري عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خالدًا أراد أن يحيله على أمر كفري خفي في القلب فلم يرتض هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان قوله كفرًا لتمسك به خالد بن الوليد ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس .."لأن هذا القول -المدعى أنه مكفر - قد ظهر منه، ومما يوضح أن هذه الكلمة ليست كفرًا أنه ثبت في الصحيحين عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم جئنه يناشدنه العدل في بنت أبي قحافة، ولم يكن هذا منهن كفرًا.] "

قول باطل من وجوه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت