فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 575

فالهوى والكبر من الأسباب التي تصدّ العبد عن قبول الحق، وتُزين له الباطل.

وللهوى والكبر صور كثيرة قد تخفى على الواحد منّا، فمثلًا: يتبين لأحدنا الحق فيقول في نفسه هل فلان أعلم من شيخي فلان فيترك الحق لذلك، أو يقول في نفسه فلان تكفيري مبتدع لا يجوز أن أسمع منه أو آخذ عنه فيرد الحق الذي تبين له لأجل ذلك، أو يكون في مكانة بين أقرانه وزملائه ويعلم أنه إن قبل ذلك الحق أنه سوف يسقط من أعينهم، أو يكون قد تسمّى بالسلفي أو الأثري ويعلم أنه إن قبل الحق فسوف يلمزونه بالتكفيري أو الخارجي، أو يكون مُقْدِمًا على دراسة معينة أو التحضير لشهادة معينة ويعلم أنه إن قبل الحق فلن يظفر بتلك الدراسة أو تلك الشهادة، أو يقول بعدما يتبين له الحق أترك قول هؤلاء العلماء الكبار وآخذ بقول أناس مغمورين غير معروفين، مع أنه لو تفكر قليلًا كم هناك من العلماء الجهابذة الذين لا يعرفهم أكثر الناس وهم على قدر كبير من العلم والفهم منع من شهرتهم القمع وتكميم الأفواه، فهؤلاء العلماء الذين اشتهروا كان من أعظم أسباب شهرتهم أنهم أُعطوا المجال للتدريس والإفتاء ونقلت دروسهم عبر وسائل الإعلام وسمّتهم الدولة كبار العلماء، وحصرت الفتوى فيهم في النوازل فلهذا وغيره اشتهروا، إذًا فلا يعني هذا أنّ غيرهم ممن لم تتوفر لديهم أسباب الشهرة أنهم أقل مرتبة في العلم والفهم، بل إن من بينهم من يفوق في علمه وورعه وتحقيقه كثيرًا ممن تحت تلك المؤسسات الدينية الحكومية.

مَن هم العلماء الربانيون؟ ..

إن العلماء الربانيين الصادقين هم الذين يُعرفون بمواقفهم في نصرة الحق والغيرة عليه والذود عن حياضه، ليس العلماء الربانيون هم الذين يعيشون الترف والبذخ والرفاهية مع تهميش قضايا الأمة، في الوقت الذي يرون فيه أمة الإسلام تتمزّق، ودماؤها في كل مكان تسفك، وأعراض المسلمات العفيفات تُنتهك، وعقيدة الولاء والبراء تحارب، وشريعة الله تطرح وتنبذ، وحكم الطاغوت يعلو ويُقدّم، والقبور والأضرحة تُحمى وتحرس، وهو مع ذلك لا يحرّك ساكنًا.

إن العلماء الربانيين هم الذين يحركهم دينهم والعلم الذي في صدورهم فيقودون أمة الإسلام للحق والعِز والنصر بإذن الله وينصحون لها كما فعل العالم الرباني الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية حين نصر الحق ودعا إلى الكتاب والسنة على فهم السلف وحرّض المسلمين على قتال التتار وقاد جيش الشام بنفسه، وكما فعل الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب حين خرج على الدولة العثمانية التي فشى فيها الشرك والوثنية والحكم بالقوانين الوضعية.

ليس مِن العلماء الربانيين من لا يتكلم إلا إذا أمره السلطان، ويسكت إذا أمره السلطان، ويلتمس للحكام الأعذار والتبريرات فيما يقومون به من عمالة للكفار وخيانة لدينهم وأمتهم، بينما يُطلقون لألسنتهم العنان في الطعن والتجريح والإنكار على الصادقين من هذه الأمة لأنّ ذلك يوافق أهواء السلاطين، إنّ أمثال هؤلاء لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت