فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 575

ـ أنها جُعلت وسيلة لمنع المسلمين من نصرة بعضهم، فإذا غزا الكفار أرضًا إسلامية وأراد أهل الأرض المجاورة أن ينفروا لنصرتهم، منعهم الحكام العملاء بحجة أن بيننا وبينهم عهود ومواثيق.

إذا تبين هذا فإن أي اعتداء على أي أرض مسلمة هو اعتداء على المسلمين جميعًا وهذا موجب أخوة الإيمان ورابطة العقيدة، وأي اعتداء على أرض إسلامية يعتبر ناقضًا للعهد إذ أراضي المسلمين بمنزلة الأرض الواحدة، وتعدد الحكام وتقسيم الحدود مع كونه مخالف لمقاصد الشريعة هو أيضًا لا يمنع الولاية الإيمانية والنصرة الدينية، وهذا مع كونه الأصل شرعًا هو أيضًا الموقف الصحيح لنقض خطط الأعداء وخلط أوراقهم وتدمير مشروعهم.

فإن قال قائل: إن الله تعالى يقول: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} ، وهذا يدل على أنه إذا كان بيننا وبين الأعداء مواثيق واستنصرنا إخواننا المسلمون عليهم لم يجز لنا نصرتهم بنص الآية.

فالجواب: أولًا/ قراءة الآية من أولها يوضح المعنى، قال تعالى: {إن الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين ءامنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير} .

تأمل الآية الكريمة تجد أنها أسقطت الولاية عمن لم يهاجر وبقي في ديار الكفار، ومع ذلك إن استنصرونا على الكفار وجب علينا نصرتهم، إلا أن يكون بيننا وبين الكفار الذين يقيم هؤلاء في أرضهم عهود ومواثيق، فحينئذٍ لا تجب نصرتهم، وأين هذا من واقع المسلمين اليوم فإن المسلمين لم يقاتلوا الكفار في أرض الكفار ويطلبوا منا النصرة، إنما الكفار هم الذين داهموا أراضي المسلمين وقاتلوهم وانتهكوا حرماتهم، والفرق بين الصورتين واضح لا خفاء فيه، ووجوب دفع الكفار عن أراضي المسلمين من أوجب الواجبات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط. اهـ

وقال أيضًا: وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا. اهـ

ثمّ لو تأملت الآية لعرفت أنها في باب الاستنصار وليس الاستغاثة، وفرق بين الاستنصار الذي هو طلب النصرة، وبين الاستغاثة التي هي طلب الغوث والحماية ودفع العدوان، والاستدلال بالآية يستقيم إذا كان بيننا وبين أمريكا عهود صحيحة موافقة للشرع ثمّ قامت فئة من المسلمين في أمريكا بمحاربة الحكومة وطلبوا منا نصرتهم فحينئذٍ نقول لهم إن بيننا وبين أمريكا عهود ولا يمكننا نصرتكم عليها، أمّا أن يداهم العدو أرض المسلمين ثمّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت