وقال ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين 2/ 121) : (وأي دينٍ، وأي خيرٍ، فيمن يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها، وهو بارد القلب، ساكت اللسان، شيطان أخرس, كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟! , وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ , وخيارهم المتحزن المتلمظ, ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل، وجد واجتهد, واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء - مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم - قد بُلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون, وهو موت القلب ; فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى, وانتصاره للدين أكمل) اهـ.
ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام الأوزاعي رحمه الله أن عبد الله بن علي عمّ السفاح استدعاه يومًا فجاء فسأله: ما تقول في أموال بني أمية؟
فقال الأوزاعي: إن كانت لهم حلالًا فهي عليكم حرام، وإن كانت عليهم حرامًا فهي عليكم أحرم.
قال الذهبي معلقًا: قد كان عبد الله بن علي ملكًا جبارًا سفّاكًا للدماء صعب المِراس، ومع هذا فالإمام الأوزاعي يصدعه بِمُرّ الحق كما ترى، لا كخلقٍ من علماء السوء الذين يُحسّنون للأمراء ما يقتحمون به من الظلم والعسف ويقلبون لهم الباطل حقًّا -قاتلهم الله- أو يسكتون مع القدرة على بيان الحق. اهـ
إنني أعلم أنّ مثل هذا الكلام قد يؤثر في قلب بعض إخواني، ولكنها والله الحقيقة المرّة التي لابد أن نعرفها، وأرجو ممن لم يعجبه هذا الكلام أن يتريث ولا يتعجل وأن يُنصف أخاه.
ثمّ تعال لنقف مع بعض الحقائق:
إن علماء الأمة الصادقين لا يَقِر لهم قرار ولا يهدأ لهم بال حين يرون الشرك بالله في العبادة، والشرك به في الحكم والتشريع، ويرون محاربة الدين والاستهزاء به، وحين يرون أمة الإسلام تُقتل، وأعراض العفيفات الطاهرات تُغتصب، ففي مثل هذه الأحداث يتحرك العلماء الصادقون، وبصدعون بالحق ويزيلون الشبهات التي التبست بالحق.
ولكن وللأسف لقد رأينا من كثير من العلماء الرسميين، والدعاة، السكوت والتنصّل من المسؤولية العظيمة التي أنيطت بهم في مواقف كثيرة تمسّ بعقيدة التوحيد وبالإيمان وبالولاء والبراء، فالشرك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينكرونه على الناس وهذا هو الواجب، ولكن في الوقت نفسه تسمح الحكومة للرافضة أن تجتمع في ساحات المسجد النبوي بأعداد كبيرة يقيمون فيها مناحاتهم الشركية، ويتفنّنون في سب زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا نجد من كثير من العلماء الإنكار عليهم والتحذير منهم على المنابر وإقامة المحاضرات في بيان خطر الرافضة وشركهم.
وكثير من أولئك العلماء الذين تصدّروا للفتوى لم يقتصروا على خذلان المسلمين، بل زادوا على ذلك بأن جرّموا المجاهدين ورجال الأمة الصادقين.