مستشاري ابن سعود بما يجري في العالم والاستفادة من الفرص ولكن يقال عنها إنّ الظروف والأحوال ذلك الوقت دعت إلى توقيعها. ولما خلى ابن سعود وصحبه الذين فيهم الشرف والدين والقوة غير أنهم لا يعرفون لغة السياسة وأساليب الاستعمار ولا يصدقون بالظفر لغير الصارم البتار واستشارهم كعادته أجابوه بأننا في حال ضعف وخصمنا قوي جبارفنراها تنفعنا بإذن الله في الحال ولا تضرنا إذا كنا في حالة منعة وقوة ويمكن تعديلها فيما بعد، فالعبرة بالقوة في كل وقت وحال، فقم وتوكل على الله ووقعها كما أنه أدرك بأنه لا يبيع ولا يتخلى ولا يرهن من نيته حسن الجوار وتسهيل طرق الحجاج. فما أحسن نتائج هذه الآراء والأفكار، ولنا أسوة في صلح الحديبية، أضف إلى ذلك أنها ألغيت بعد سبع سنوات وعدلت فيما بعد ذلك لما فتح الله له الحجاز واعترفت له بريطانيا بالاستقلال التام يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. [1]
ج/ أنه لو قدر جدلًا أن الانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة من الحكم بغير ما أنزل الله لما كفرت الدولة السعودية بفعلها؛ لأنه تقدم بيان أن الحكم بغير ما أنزل الله على شناعته وكونه سببًا للضعف وتسلط الأعداء، إلا أنه لا يخرج من الملة، وبهذا كان يفتي شيخنا عبدالعزيز بن باز والشيخ الألباني - رحمهما الله - كما تقدم.]
لقد بينا في الرد على الشبهة السابقة الأدلة وأقوال العلماء أن الحكم بالقوانين الوضعية كفر أكبر وأشبعنا المسألة شرحًا وتوضيحًا فلتراجع، ولكن من خلط المؤلف لم يفرق بين الحكم بغير ما أنزل الله وبين التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فإن من عرف حكم الله ثمّ أعرض عنه وذهب ليتحاكم إلى طاغوت يحكم بغير ما أنزل الله فإنه يكفر، لأنه أعرض عن حكم الله ورضي بحكم غيره، وبذلك يكون قد نقض التوحيد، لأن التوحيد إيمان بالله وكفر بالطاغوت لابد من الإتيان بهما لتحقيق التوحيد، فمن آمن بالله ولم يكفر بالطاغوت فليس بموحد حتى يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت، قال الله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} والذي يتحاكم إلى الطاغوت مؤمن به.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة: الأول: الشيطان ... والثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله ... والثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله ... الرابع: الذي يدّعي علم الغيب من دون الله ... الخامس: الذي يُعبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة. اهـ
قال ابن القيم رحمه الله: ثم أخبر تعالى عن حال هؤلاء المتحاكمين إلى غير ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتَ المنافقين يصدون عنك صدودا} ،فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور والتسليم لما حكم به رضىً واختيارًا ومحبةً، فهذا حقيقة الإيمان وذلك الإعراض حقيقة النفاق. [مختصر الصواعق المرسلة 2/ 515] .