إن التعامل مع الكفار ليس كفرًا مطلقًا بل على درجات ثلاث:
الدرجة الأولى: معاملة كفرية وهي توليهم: قال تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} قال ابن حزم: صح أن قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين ا. هـ [1]
وضابط الولاء الكفري (التولي) : محبة الكفار لأجل دينهم أو نصرتهم لأجله والرضا به، فإن وجدت نصرة بدون هذا الدافع وإنما لحظ دنيوي فهو محرم وليس كفرًا.
والدليل على هذا الضابط ما رواه الستة إلا ابن ماجه من حديث على بن أبي طالبٍ رضي الله عنه في قصة حاطب بن أبي بلتعة إذ أرسل الرسالة إلى قريش يخبرهم بقدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"يا حاطب ما هذا"قال لا تعجل عليِّ إني كنت امرأً ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن دينٍ ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"إنه صدقكم"فكلام حاطب مع إقرار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صريح في أن مجرَّد فعل حاطب ليس كفرًا لذا قال لم أفعله كفرًا ولا ردةً عن الدين ولو كان مجرد فعل حاطب كفرًا لما احتاج إلى قوله لم أفعله كفرًا لأن مجرد الفعل كفرٌ كما أنه لا يصح لمستهزئ بالله أن يقول لم أقله كفرًا لأن مجرد الاستهزاء كفرٌ.
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه وله خصوص السبب الدال على إرادته مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة وأنه أبلغ إليهم بالمودة، فإن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل لكن قوله"صدقكم خلوا سبيله"ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي ولو كفر لما قيل"خلوا سبيله"لا يقال قوله صلى الله عليه وسلم لعمر"وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"هو المانع من تكفيره لأنا نقول لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنعه من لحاق الكفر وأحكامه، فإن الكفر يهدم ما قبله لقوله تعالى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} وقوله تعالى {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع فلا يظن هذا، وأما قوله {) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وقوله {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... } وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فقد فسَّرته السنَّة وقيَّدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة، وأصل الموالاة هو الحبُّ والنُّصرة
(1) المحلى (11/ 138)