فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 575

والصداقة ودون ذلك مراتب متعددةٌ ولكل ذنبٍ حظه وقسطه من الوعيد والذم، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروفٌ في هذا الباب وغيره ... ا. هـ [1] .

ثم في كلام حاطب بن أبي بلتعة إبانةٌ للضابط الكفري إذ قال"ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام".

فإن قيل: حكى بعض العلماء الإجماع على أن مطلق الإعانة كفر.

فيقال: هذا الإجماع المحكي ما بين حالتين:

الأولى / أن يكون خارج محل النزاع مثل قول ابن حزم - في المحلى: صح أن قوله تعالى {) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين ا. هـ، وذلك أننا لا نختلف في كفر المتولي لكن ما التولي؟ ومن المتولي؟ هذا محل البحث وفيه التنازع، وكلام ابن حزم لا يفيد شيئًا في بيان معنى التولي، وإنما أفاد كفر فاعله، وهذا واضح لا إشكال فيه ولا نزاع، ثم على افتراض أن ابن حزم حكى إجماعًا فإنه يقال فيه ما يقال في الحالة الثانية الآتية.

الثانية / أن الذين حكوا إجماعًا جعلوا المظاهرة الكفرية كل إعانة للكفار حتى القولية، وهذا الإجماع مخروم بيقين ولا يعول عليه منصفٌ عالم بخرمه.

وبرهان خرم الإجماع المحكي ما يلي:

1)أن الإمام الشافعي - رحمه الله - صرح بأن حاطبًا لم يكفر مع أن فعله إعانة قوية للكفار أمام جيش الإسلام الذي يتقدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم

قيل للشافعي: أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالأة المشركين؟

قال الشافعي - رحمه الله تعالى-: لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل أو يزني بعد إحصان أو يكفر كفرًا بينًا بعد إيمان ثم يثبت على الكفر وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بين، فقلت للشافعي: أقلت هذا خبرًا أم قياسًا؟ قال: قلته بما لا يسع مسلمًا علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب فقيل للشافعي فاذكر السنة فيه - ثم ساق خبر حاطب ثم قال -

قال الشافعي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث مع ما وصفنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكًا في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح، كان القول قوله فيما احتمل فعله، وحكم رسول الله فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا لأن أمر رسول الله صلى

(1) الرسائل والمسائل النجدية (3/ 9 - 10) . وانظر الدرر السنية (1/ 474) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت