الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غرتهم فصدقه ما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولًا كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه.
قيل للشافعي: أفرأيت إن قال قائل إن رسول الله صلى الله عليه قال قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره فيقال له قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكمًا له مثل ما وصفت من علل أهل الجاهلية وكل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عام حتى يأتي عنه دلالة على أنه أراد به خاصًا أو عن جماعة المسلمين الذين لا يمكن فيهم أن يجهلوا له سنة أو يكون ذلك موجودًا في كتاب الله عز وجل ا. هـ [1] فكيف يقال بعد ذلك: بأن أي إعانة تولي وهي كفر بالإجماع؟
وهذا الشافعي ينقض الإجماع - رحمه الله - بصراحة ووضوح.
2)أن الإمام القرطبي صرح بوضوح أن من كثر إطلاعه الكفار على عورات المسلمين لا يكفر إذا كان اعتقاده سليمًا ودافعه أمرًا دنيويًا مع أن هذه إعانة قوية للكفار قال - رحمه الله-: من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا: إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم؛ كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين ا. هـ [2]
أفليس هذا صريحًا في خرم الإجماع الذي ينص على أن أدنى إعانة قولية أو فعلية تولٍ كفري؟.
3)قال ابن الجوزي: قوله تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} فيه قولان: أحدهما: من يتولهم في الدين، فإنه منهم في الكفر. والثاني: من يتولهم في العهد فإنه منهم في مخالفة العهد ا. هـ [3]
فلاحظ - أيها القارئ الكريم - أن ابن الجوزي بقوله هذا لم يخرم الإجماع المزعوم فحسب بل لم يحك القول الذي يدعي عليه الإجماع وهو: أن التولي الكفري يكون بأدنى الإعانة ولو قولية - لم يحكه ابن الجوزي من الأقوال في المسألة، مع محاولة ابن الجوزي - المعروف بسعة الاطلاع - استقصاء أقوال المفسرين في تفسيره: (زاد المسير) ، كما كتب لابنه ناصحًا ومبينًا له عظم تفسيره: وما ترك المغني، وزاد المسير حاجة إلى شيء من التفاسير ا. هـ [4] .
(1) كتاب الأم (4/ 249 - 250) .
(2) التفسير (18/ 52) .
(3) زاد المسير (2/ 378) .
(4) رسالة لفتة الكبد ص66.