فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 575

وهذا القول له نظائر في الشريعة كما في مسألة الرضاع بعد الحولين لما كان الأصل عدم اعتبار الرضاع بعد الحولين وجاءت قصة سالم مولى أبي حذيفة بالرخصة في إرضاعه مع كبر سنه ذهب جمهور العلماء إلى الأخذ بالأصل وهو عدم العبرة بالرضاع بعد الحولين وقالوا: إنّ قصة سالم قضية عين لا يقاس عليها، وقال جمع من العلماء جمعًا بين الأدلة الواردة في المسألة: إن الأصل أنّ الرضاع بعد الحولين غير معتبر ولكن من كانت حاله مثل حال سالم مولى أبي حذيفة جاز له ذلك لورود الرخصة في تلك الحالة المخصوصة فيقاس عليها ما كان مثلها، وكذلك الحكم في هذه المسألة هذا لو تنَزّلنا وقلنا بصحة القياس، ولكنّ واقع هؤلاء الحكام الذين ظاهروا المشركين على المسلمين لا ينطبق على هذه الصفة بتاتًا، فهم فتحوا جزيرة العرب وغيرها من بلدان المسلمين للصليبيين فأقاموا فيها قواعدهم، وفتحوا لهم أراضيهم جوًا وبرًا وبحرًا لينطلقوا منها، وحموا ظهورهم فمنعوا المسلمين من قتالهم ومن الخروج لنصرة إخوانهم، وسجنوا العلماء الذين يحرضون الأمة على جهادهم، فهل يصح من عاقل منصف أن يقيس هذه العمالة الواضحة، والخيانة الفاضحة، والمظاهرة السافرة على زلة حاطب رضي الله عنه؟!

والاحتمالات الواردة في قصة حاطب تسقط الاستدلال به، فلا نترك الحكم الواضح المتقرر، بدليلٍ محتمل فإنّ ذلك من اتباع المتشابه، وأهل الحق يردون المتشابه إلى المحكم، وأهل الباطل يردُّون المحكم بالمتشابه.

قال الله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأُخَرُ متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله .... } .

وأما قول المؤلف:[يردد بعضهم شبهة وهي أن حاطبًا كان متأولًا ولولاه لكفر، وتفنيد هذه الشبهة من أوجه: أ- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل حاطبًا عن عذره، لم يعتذر حاطب بأنه تأول دليلًا شرعيًا بل ذكر أنه فعل ما فعل لحظ دنيوي.

ب- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفهم أن حاطبًا كان متأولًا لذلك لم يكشف شبهة كان حاطب متمسكًا بها، ودواء الشبه كشفها.

ج- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر بأنه عاص، لكنه مغفور له لكونه من أهل بدر لا لأجل التأويل.]

أقول: قد بينتْ إحدى روايات الحديث نوع تأويل حاطب رضي الله عنه وهي قوله: قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره.

فحاطب لم يتأول دليلًا شرعيًا على جواز فعله، بل كان يعلم أن إرسال الرسالة مخالف لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويعلم أنه بفعله هذا عاصٍ مرتكبٌ ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه ظنّ أن إرساله للرسالة - مع ثقته بنصر الله لنبيه- ظنّ أن ذلك ليس داخلًا في الموالاة، وتأول أن إرساله للرسالة لن يضر المسلمين، ولن ينفع المشركين، وأن المشركين سواء علموا بذلك أو لم يعلموا فإنهم مغلوبون مخذولون، وهذا ما أشار إليه البخاري رحمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت