الله في التبويب للحديث وأوضحه الحافظ بن حجر، فقد أخرج البخاري رحمه الله قصة حاطب في كتاب (استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم) في (باب ما جاء في المتأولين) .
ففي تبويب البخاري رحمه الله يظهر لك أنّ المتقرر عنده كفر وردّة من ظاهر الكفار على المسلمين، ثمّ بوب لقصة حاطب ما جاء في المتأولين تنبيهًا منه على ما جاء في عدد من الروايات أن حاطبًا فعل ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه على المسلمين، وأن لا منفعة فيه للمشركين.
وقال الحافظ في (الفتح 8/ 634) :"وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولًا ألاّ ضرر فيه)."
وقال القرطبي رحمه الله: وإنما تأول فيما فعل أنّ إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُخوّف قريشًا، ويُحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا طاقة لهم به، ويخوّفهم بذلك ليخرجوا عن مكة ويفروا منها. [المفهم، 6/ 440] .
فالجواب على قول المؤلف: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر بأنه عاص، لكنه مغفور له لكونه من أهل بدر لا لأجل التأويل]
أنّ تأويله منع من تكفيره، ومخالفته لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معصية كفّرتها حسنة شهود بدرٍ.
وبعد ذكر هذه الوجوه يتبين لك أن الاستدلال بقصة حاطب هو من الاستدلال بالمتشابه لإبطال المحكم، ونحن مأمورون أن نرجع إلى المحكم ونحكم به ونرد المتشابه إليه.
ويلزم المستدل بقصة حاطب أن يحكم بعدم كفر كل من أعان الكفار على المسلمين مهما بلغت تلك المعاونة ما دام أنّ المظاهِر يزعم أنه لم يفعل ذلك من أجل دينهم، وبطلان هذا القول معلوم بالضرورة.
ونحن نقول للمؤلف ومن على رأيه: لو أنّ أمريكا منحت بعض المسلمين قيادة جيشها في حربها على دولة إسلامية فقام ذلك المسلم بغزو البلاد الإسلامية وسفك الدماء المعصومة وهتك الأعراض المصونة ودمّر بيوت الله ومن فيها حتى علت راية أمريكا على ربوع تلك البلاد وقويت شوكة أعداء الله وصارت السيادة والحكم لهم، وأذلوا أولياء الله وفتنوهم عن دينهم، ثمّ زعم ذلك القائد أنه فعل ذلك للدنيا لمبلغ من المال أو لمنصب مرموق في الوزارة الأمريكية، وهو مع ذلك كاره للكفار محب للمسلمين، ولم يفعل ذلك رضًا بالكفر بعد الإسلام.
ـ ولو أنّ حاكمًا من حكام المسلمين علم بإرادة الكفار وعزمهم على غزو أرض من أراضي المسلمين فعرض على تلك الدولة الكافرة أن تقيم قواعدها العسكرية في أرضه ويمدّهم بالسلاح والنفط وكل ما يحتاجون من مسكن وغذاء ودواء مقابل أن يُقرّوه على كرسي الحكم ويحموه ممن يريد إزالته، فأقام الكفار قواعدهم على أرضه وانطلقوا منها بمعونته فدكوا أرض المسلمين بوابل من القنابل التي لا تفرق بين صغير وكبير، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين مسجد ومرقص، ودخلت جيوشهم أرض المسلمين ودنّست المساجد والمصاحف، ودمّرت المكتبات الإسلامية،