والمظاهرة أمرٌ زائد لا يمنع من لحوق الحكم به، وتكون المسألة حينئذٍ كمرتكب الكبيرة إن ارتكبها دون استحلال أو جحود فهو مسلم فاسق، وإن استحلها أو جحد حرمتها كفر ولو لم يرتكبها، وإن ارتكبها مستحلًا أو جاحدًا كان الحكم عليه بما قام في قلبه وليس بفعل المعصية.
وبالتالي فإنّ مظاهرة الكفار على المسلمين عند المؤلف كبيرة من كبائر الذنوب، مثل الربا والزنا وشرب الخمر، ولا يصح إدراجها في نواقض الإسلام.
يا سبحان الله، أيُّ إسلام يبقى عند من يبذل قصارى جهده في مظاهرة ومعاونة من يريدون إظهار الكفر والشرك وطمس الإسلام وإطفاء نوره وإخراج أهله منه؟! وهل ينتظم في سلك الإسلام من يسعى لهدمه وإظهار أعدائه.
وما أحسن ما قاله ابن عقيل رحمه الله: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة. [الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 268] .
الوجه الثاني/ وإما أن يحكم على جميع تلك الصور بأنها مكفّرة فحينئذٍ يسقط استدلاله بقصة حاطب ويسقط الشرط الذي شَرَطه لفقد جميع الصور المذكورة ذلك الشرط، وحينئذٍ يحصل الاتفاق ويزول الخلاف.
الوجه الثالث/ وإما أن يُفرّق في الحكم بين تلك الصور وبين قصة حاطب، فحينئذٍ نطالبه بالدليل على التفريق مع أنّ كُلّ الصور المذكورة فاقدة للشرط الذي اشترطه وهو العمل القلبي [الرضا بالكفر، أو مظاهرتهم من أجل دينهم] .
الوجه الرابع/ وإما أن يقول بكفر المظاهر في الأصل ويخصص منها ما كان مثل قضية حاطب، وبالتالي يتفق معنا في كفر وردة الحكام الذين ظاهروا الكفار على المسلمين لأن نوع مظاهرتهم وصفتها ليست مثل قضية حاطب رضي الله عنه.
وليعلم المؤلف ومن على رأيه: أن السعودية أعانت أمريكا في حربها الصليبية على الإسلام والمسلمين بكل ما تطيق، فقد هيأت لهم أراضيها فأقاموا فيها قواعدهم كما في الخرج وعرعر والجوف وقاعدة فيصل في تبوك وغيرها، وهيئوا لهم بعض المطارات لينطلقوا منها، وأمدوهم بالنفط بكل سخاء، وأمدوهم بالمعونات اللوجستية، وحموا ظهورهم بمنع المسلمين من الخروج لقتالهم، بل وحاربوا وسجنوا كل من أراد قتال الأمريكان وجهادهم، وسجنوا العلماء الذين وقفوا في وجه الحملة الصليبية وبينوا مخططات الأعداء، وهذا من أعظم ما يكون من موالاة ومظاهرة الكفار على المسلمين، وقياس هذه العمالة والخيانة والمظاهرة على زلّة حاطب من الفرية والظلم والتدليس.
فإن قيل: إن الدول التي أعانت الكفار على المسلمين مكرهة على ذلك.