فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 575

فالجواب: أن هذه الدعوى لا تصح لأن الإكراه إنما يكون لمن هو تحت سلطان المكرِه وتحت قبضته ولا يستطيع الفرار منه.

قال الحافظ بن حجر رحمه الله في فتح الباري شرح صحيح البخاري, في باب الإكراه, ج12 ص 385:

[الإكراه: هو إلزام الغير بما لا يريده. وشروط الإكراه أربعة:

الأول: أن يكون فاعله قادرا على إيقاع ما يهدد به. والمأمور عاجزا عن الدفع ولو بالفرار.

الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.

الثالث: أن يكون ما هدده به فوريا, فلو قال له: إن لم تفعل كذا ضربتك غدا, لا يعد مكرها. ويستثنى ما إذا ذكر زمنا قريبا جدا, أو جرت العادة بأنه لا يخلف.

الرابع: ألا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره. كمن أكره على الزنا فأولج وأمكنه أن ينزع , ويقول: أنزلت , فيتمادى حتى ينزل.]أهـ.

قال الشيخ سليمان آل الشيخ رحمه الله: ولا يستثنى من ذلك إلا المكره، وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له اكفر، أو أفعل كذا وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان. اهـ [الدرر السنية، ج8،ص122]

وقال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله في حكم موافقة المشركين وإظهار الطاعة لهم: الحالة الثالثة: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو على وجهين:

أحدهما: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له، ويهددونه بالقتل، فيقولون له: إما أن توافقنا وتظهر الانقياد لنا، وإلا قتلناك، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، كما جرى لعمار حين أنزل الله تعالى (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ) وكما قال تعالى (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) فالآيتان دلتا على الحكم كما نبه عن ذلك ابن كثير في تفسير آية آله عمران.

الوجه الثاني: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رياسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيال، أو خوف مما يحدث في المآل، فإنه في هذه الحال يكون مرتدًا ولا تنفعه كراهته لهم في الباطن، وهو ممن قال الله فيهم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فأخبرهم أنه لم يحملهم على الكفر الجهل أو بغضه، ولا محبة الباطل، وإنما هو أن لهم حظًا من حظوظ الدنيا فآثروه على الدين".اهـ

وحال الحكام اليوم هو ما ذكره الشيخ حمد بن عتيق في الوجه الثاني بلا شك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت