ولكنّ دعوى الإكراه سمعناها من المجادلين عن هؤلاء الطواغيت الذين يحاولون قدر طاقتهم وجهدهم ترقيع ما يفعله أسيادهم الطواغيت حتى أضحكوا الثكلى من جدالهم المستميت في الدفاع عن طواغيتهم وهؤلاء وأمثالهم نقول لهم ما قال الله سبحانه وتعالى: {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمّن يكون عليهم وكيلا؟} .
الرابع/ أنه لو سلَّمنا تنَزُّلًا باعتبار الإكراه فإن ادِّعاء هؤلاء الحكام للإكراه لا يستقيم؛ لأن المتقرر عند العلماء أن الضرورة تقدّر بقدرها، فمن اضطر أن يتكلم بكلمة لا يصح أن يتكلم بعشر، ومن أكره على بذل مال لا يصح منه أن يبذل معه السلاح والرأي، وهؤلاء الحكام يبذلون قصارى جهدهم لنصرة الكفار على المسلمين بكل الوسائل الممكنة لهم.
الخامس/ أنّ هؤلاء الطواغيت الذين يدّعي المجادلون عنهم أنهم مكرهون لا يقتصرون على أنفسهم بل يأمرون جنودهم ومخابراتهم بحرب الإسلام والمسلمين ومطاردة المجاهدين والتجسس عليهم لصالح الأعداء، وإنما يعذر بالإكراه على الكفر في نفسه، فإن أُكرِه على أن يحمل غيره ويأمر غيره بالكفر فإنه حينئذٍ لا يجوز له أن يقدم على ذلك ولا يُعذر بدعوى الإكراه لأنّ حمل غيره على الكفر أعظم من قتله فإن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، فهل يصحّ بعد هذا دعوى الإكراه والعذر به.
وقد سبق أن بينا أن الإكراه لا يعتبر إذا كان ما أُكِره عليه مساوٍ أو أعظم في الضرر، وهذا الذي يفعله الطواغيت ضررٌ متعدٍّ من جهتين:
ـ ضرر متعدٍّ في الدين لكونه يحمل الجنود والمخابرات ونحوهم على معاونة الكفار على المسلمين وذلك ردّةٌ وكفر، ما لم يكن الفرد منهم مكرهًا إكراهًا معتبرًا.
ـ وضرر متعدٍّ في الكم وذلك أنّ الحاكم المدّعي للإكراه عندما يأمر جنوده ومخابراته بمعاونة الكفار يحصل بذلك من الضرر على المسلمين أعظم مما يحصل بفعل رجلٍ واحد.
ولكن لو أنّ أحدًا من المسلمين أو جماعة منهم أكرهه الكفار على الخروج معهم وهو تحت قبضتهم لا يستطيع الفرار منهم فإنه لا يكفر إن خرج معهم مكرهًا ولكن لا يجوز له أن يقاتل معهم بل يجب عليه أن يكفّ يده عن المسلمين ولو قتله المسلمون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (مجموع الفتاوى 28/ 539) :"المقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل, بل عليه إفساد سلاحه, وأن يصبر حتى يقتل مظلومًا، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام: كمانعي الزكاة , والمرتدين , ونحوهم؟."
فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين , وكما لو أكره رجل رجلًا على قتل مسلم معصوم فإنه لا يجوز له قتله باتفاق