فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 575

إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: 9، 10) فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي وأمر بالإصلاح بينهم".اهـ

فإذا كانت العداوة لا تقطع ولاية الإيمان وأخوة الإسلام، وكان الواجب على المسلم أن ينصر أخاه المسلم على الكافر ولا يجوز له أن يَخذله أو يُسلمه إلى الكافر حتى ولو كانت بينه وبين ذلك المسلم عداوة، فكيف الأمر بمظاهرة الكافر ومعاونته على أخيه المسلم؟!

وهل وجود العداوة يعتبر في الشرع مبررًا لمظاهرة الكفار على المسلمين، أو مانعًا من لحوق حكم المظاهرة بالمظاهِر؟

عند تنقيح المناط نجد أنّ وجود العداوة أو المنافسة على الرياسة أو تضارب المصالح بين الدولتين لا عبرة به ولا تعلق له بأصل حكم المظاهرة، فمن نصر أعداء الله وأعداء دينه وظاهرهم على المسلمين لوجود العداوة فإنّ ذلك دليل على أنّ تحصيل ما في نفسه وشفاء صدره مقدّم على رضا الله وعلى دين الله وعلى أخوة الدين، ولو كان في ذلك قتل للمسلمين وعلو راية الكفر ومحاربة دين الله وفتنة المسلمين عن دينهم، ولا ينفعه أن يزعم أنه لم يرد ذلك بمظاهرتهم فإن ذلك من لوازم ظهورهم، وعلى كلٍّ فلا عبرة حينئذٍ لتلك العداوة ولا يتعلق بها مناط الحكم في مظاهرة الكفار على المسلمين، فيجري عليه حكم المظاهرة، وبهذا حكم علماء الإسلام فيمن أعان الكفار على المسلمين بسبب العداوة أو بسبب الحصول على الملك.

في بداية سنة 201:خرج (بابك الخرمي) وحارب المسلمين وهو بأرض المشركين فأفتى الإمام أحمد وغيره بارتداده، فقد روى الميموني أن الإمام أحمد قال عنه: خرج إلينا يحاربنا وهو مقيم بأرض الشرك، أي شيء حكمه؟ إن كان هكذا فحكمه حكم الارتداد. (الفروع:6/ 163) .

وهذه الفتوى من الإمام أحمد التي حكم فيها بردّة بابك الخرمي محتملة أحد وجهين:

ـ إما أن يكون المشركون خرجوا لقتال المسلمين فخرج بابك معهم لنصرتهم.

ـ وإما أن يكون خرج بابك الخرمي لقتال المسلمين واستعان بالمشركين على قتال المسلمين ولما كان بأرضهم وكانت يدهم هي الغالبة كان في حقيقة الأمر كمن أعان الكفار على المسلمين.

فإذا حكم الإمام أحمد رحمه الله على بابك الخرمي بالردّة مع كونه في أرض المشركين وذلك مظنّة الإكراه، فكيف الحكم بمن ظاهرهم وأعانهم على المسلمين وهو ليس في سلطانهم ولا تحت أيديهم؟

وبعد عام 480:قام المعتمد بن عباد - حاكم أشبيلية - وهو من ملوك الطوائف في (الأندلس) بالاستعانة بالإفرنج ضد المسلمين، فأفتى علماء المالكية في ذلك الوقت بارتداده عن الإسلام. (الاستقصاء:2/ 75) .

وفي عام 980: استعان (محمد بن عبد الله السعدي) أحد ملوك (مراكش) بملك (البرتغال) ضد عمه (أبي مروان المعتصم بالله) ، فأفتى علماء المالكية بارتداده. (الاستقصاء) 2/ 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت