فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 575

فإذا أفتى العلماء بكفر من استعان بالكفار على المسلمين لكون يد الكفار غالبة على يد المسلمين الذين استعانوا بهم، فكيف بمن أعان الكفار على المسلمين؟ لا شكّ أنه أولى بالكفر والرّدّة.

والخلاصة أنّ الحكام الذين أعانوا الكفار على المسلمين هم مرتدُّون لما سبق بيانه من الأدلة وأقوال العلماء في كفر وردّة من ظاهر الكفار على المسلمين، ولا تصحُّ دعوى الإكراه لكونها ليست واقعةً أصلًا، ولكونها لم تتوفر فيها الشروط المعتبرة في صحة الإكراه.

قال المؤلف: [قيل للشافعي: أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالأة المشركين؟ فقال الشافعي - رحمه الله تعالى-: لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل أو يزني بعد إحصان أو يكفر كفرًا بينًا بعد إيمان ثم يثبت على الكفر وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بين، فقلت للشافعي: أقلت هذا خبرًا أم قياسًا؟ قال: قلته بما لا يسع مسلمًا علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب فقيل للشافعي فاذكر السنة فيه، ثم ساق خبر حاطب] .

الجواب على كلام الإمام الشافعي رحمه الله من وجوه:

الوجه الأول: أنّ الإمام الشافعي رحمه الله استدلّ بقصة حاطب على أنّ الذي يتجسس لمصلحة الكفار على المسلمين أنّ فعله ليس بكفر بيّن، وقد سبق الرد على الاستدلا بقصة حاطب فيما سبق.

الوجه الثاني: قتل الجاسوس: فقول الإمام الشافعي رحمه الله فيه نظر.

كذلك كلام الإمام القرطبي حيث قال - رحمه الله-: من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا: إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم؛ كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين ا. هـ، فيه نظر أيضًا:

لأنّ حاطبًا رضي الله عنه فعل ذلك متأولًا والتأويل منع من تكفيره، وشهوده بدرًا حسنة عظيمة شعفت في ترك قتله وليس ذلك لأحد بعده، بل إذا أمعنت النظر في الحديث لوجدت أن دلالته على قتل الجاسوس واضحة، فكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله لشهوده بدرًا ذلك دليل على أن الأصل في الجاسوس أنه يقتل وأن الذي منع من قتل حاطب حسنة شهوده بدرًا فيبقى غيره على الأصل وهو مشروعية قتل الجاسوس.

ولو تنزلنا وقلنا إنه يدل على عدم مشروعية قتل الجاسوس فقد سبق أن بيّنا أن قصة حاطب قضية عين، وقضايا الأعيان لا يقاس عليها، وكذلك القصة فيها احتمالات وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، فكما أنه لا يصح أن نستدل بها في حكم المظاهرة فكذلك لا يصح أن نستدلّ بها على عدم قتل الجاسوس.

ثم إنّه لا يصح أن نقيس فعل من عُرِف بالتجسس على فعل حاطب لأمور:

الأول/ أن فعل حاطب قضية عين، وقضايا الأعيان لا يُقاس عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت