فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 575

الثاني/ أنّ حاطبًا كان صحابيًا صادقًا مجاهدًا من المهاجرين الذين صبروا على الأذى في سبيل الله، وهذه حسنة له يجب اعتبارها عند صدور الخطأ من مثله.

الثالث/ أنّ فعل حاطب كان زلّة قدم، وهو في الأصل ليس بجاسوس فلا يقاس عليه من عُرف بالتجسس وكَثُر منه.

الرابع/ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حاطب حسنة شهوده بدرًا وهذه خصوصية لأهل بدر لا يصح أنّ نُلحق فيها غيرهم، وإلا لما كان لذكر هذه الحسنة أي فائدة.

الخامس/ أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم صدّقه فيما قال كما في قوله: (قد صدقكم ولا تقولوا له إلا خيرا) وهذا خاصٌ به عليه الصلاة والسلام حيث أخبر بأمر غيبي لا نستطيع الاطلاع عليه وهو صدق الباطن وليس لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجزم بصدق من أقدم على مثل فعل حاطب.

فهل يصح بعد هذا أن يُقاس فعل الخائن على الصادق؟ والجاسوس على المؤمن الذي زلت قدمه مرّة؟

وهل يصح أن يقاس فِعْلُ من ركن إلى طواغيت الكفر وخضع لهم وأعانهم بكل ما يستطيع، على فِعْلِ من عادى المشركين وقاتلهم ونصر الله ورسوله وجاهد في سبيل الله وأبلى في الإسلام بلاءً حسنًا؟

قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله في (الدفاع عن أهل السنة والاتباع) ص 31: إن مظاهرة المشركين، ودلالتهم على عورات المسلمين، أو الذب عنهم بلسان، أو رضي بما هم عليه، كل هذه مكفرات، فمن صدرت منه - من غير الإكراه المذكور - فهو مرتد، وإن كان مع ذلك يبغض الكفار ويحب المسلمين"."

وأما ما أورده من قول الإمام الشافعي: [قيل للشافعي: أفرأيت إن قال قائل إن رسول الله صلى الله عليه قال قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره فيقال له قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر] .

هذا فيه نظر فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم لو كان أخذ حاطبًا بالظاهر لما احتاج أن يقول: (صدقكم) لأن حاطبًا ذكر عذره وادعى أنه لم يفعل ذلك ارتدادًا عن الدين، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم تركه لأجل ظاهره لتركه ولم يصدّقه، كما فعل مع المنافقين الذين علم نفاقهم وتركهم لظاهرهم ولم يصدقهم، ولكن لما صدّقه النبي صلى الله عليه وسلم فيما قال دل على أنه صادق في باطنه وظاهره.

وأما حقن النبي صلى الله عليه وسلم دماء المنافقين مع علمه بكذبهم ليس لأن حكمهم هو عدم القتل ولا لوجوب أخذهم بالظاهر مطلقًا وإنما حماية لسمعة الدعوة كما بين في أكثر من حادثة أنه امتنع عن قتلهم لئلا يتحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه، ولو كان الواجب أخذهم بالظاهر مطلقًا مع ظهور نفاقهم لما اعتذر عن قتلهم بهذا لأنّ هذا المانع يزول عندما ينتشر الإسلام ويقوى، ولَبَيّن أن الواجب أخذهم بالظاهر وأنه لا يجوز قتلهم، والنبي صلى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت