عليه وسلم عندما لم يقتلهم مع ظهور نفاقهم لم يقل إنهم صادقون كما قال ذلك في حق حاطب وإنما ترك قتلهم لمصلحة الدعوة.
قال ابن القيم رحمه الله: فإنّ نفاق عبد الله بن أبي وأقواله في النفاق كانت كثيرة جدًا كالمتواترة عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وبعضهم أقر بلسانه وقال: إنما كنا نخوض ونلعب، وقد واجهه بعض الخوارج في وجهه بقوله: إنك لم تعدل والنبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: ألا تقتلهم؟ لم يقل ما قامت عليهم بينة بل قال: (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) ، فالجواب الصحيح إذن أنه كان في ترك قتلهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة تتضمن تأليف القلوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع كلمة الناس عليه وكان في قتلهم تنفير، والإسلام بعدُ في غربة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص شيء على تأليف الناس وأترك شيء لما ينفرهم عن الدخول في طاعته، وهذا أمر كان يختص بحال حياته صلى الله عليه وسلم، وكذلك ترك قتل من طعن عليه في حكمه بقوله في قصة الزبير وخصمه: أن كان ابن عمتك، وفي قسمه بقوله: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وقول الآخر له: إنك لم تعدل، فإن هذا محض حقه له أن يستوفيه وله أن يتركه وليس للأمة بعده ترك استيفاء حقه بل يتعين عليهم استيفاؤه ولا بد ولتقرير هذه المسائل موضع آخر والغرض التنبيه والإشارة. [زاد المعادج3 ص 496]
وقال ابن تيمية رحمه الله: في الصحيحين عن علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه و سلم: [إنه قد شهد بدرا و ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم] فدل على أن ضرب عنق المنافق من غير استتابة مشروع إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه و سلم على عمر استحلال ضرب عنق المنافق و لكن أجاب بأن هذا ليس بمنافق و لكنه من أهل بدر المغفور لهم فإذا أظهر النفاق الذي لا ريب أنه نفاق فهو مباح الدم. [الصارم المسلول ج1 ص358]
وقال رحمه الله: وفي الصحيحين عن عمرو عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع رسول الله و قد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا و كان من المهاجرين رجل لعاب فكسع انصاريا فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا و قال الأنصاري: يا للأنصار و قال المهاجري: يا للمهاجرين فخرج النبي صلى الله عليه و سلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبرهم بكسعة المهاجري الأنصاري قال: فقال النبي عليه الصلاة و السلام: دعوها فإنها خبيثة و قال عبد الله بن أبي ابن سلول: أقد تداعوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدينة ليحرجن الأعز منها الأذل قال عمر: ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث لعبد الله فقال النبي عليه الصلاة و السلام [لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه] وذكر أهل التفسير و أصحاب السير أن هذه القصة كانت في غزوة بني المصطلق: [اختصم رجل من المهاجرين و رجل من الأنصار حتى غضب عبد الله ابن أبي و عنده رهط من قومه