إن الذي يؤمن بمشروعية الجهاد ولكنه يتركه لضعفه يسعى جاهدًا لإعداد الأمة حسًّا ومعنىً لإقامة الجهاد، والواقع من هؤلاء الحكام هو خلاف هذا، فقد نشروا أسباب فساد الأمة وضياعها ولهوها، أشغلوا الشعوب الإسلامية بالغناء والعفن الفني والأفلام وكرة القدم، وأغرقوا شعوبهم في الترف وهو من أعظم المثبطات عن الجهاد، فإن النعيم والترف يجعل الناس يخلدون إلى الدنيا ويركنون إليها، وتركوا ثغور الأمة يحميها اللصوص من الجنود الأمريكان والبريطانيين وغيرهم، ومن العجيب أن المؤلف يدافع عمن هو من أعظم أسباب ضعف المسلمين وتفرقهم، وهم الحكام؛ فإن الله إنما أمر بوضع حاكم للمسلمين ليقيم حياتهم على الحق، ويحارب الفساد وأهله، كما قال بعض السلف: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولكن ألقِ نظرة على العالم الإسلامي وانظر ما الذي شغل الحكام، تجد أنهم انشغلوا بحماية كراسيهم والعمالة للكفار، فقبور الشرك تشيّد وتعبد في أكثر بلاد المسلمين، والخمارات وبيوت الدعارة مفتحة الأبواب، وفي الجزيرة محلات الغناء والفيديو والدشوش مفتوحة، ومحلات الملابس تبيع الملابس الفاضحة والخليعة، وبنوك الربا تحارب الله ورسوله جهارًا، والرافضة يُحمون بالحرس عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشركون ويسبون الصحابة الكرام رضي الله عنهم، والمرتدون الذين يستهزؤون بالله ورسوله ودينه يسرحون ويمرحون في البلاد بحماية الدولة، فكيف تعود الأمة لمجدها وعزها ويقوى إيمانها وهؤلاء الخونة المفسدون يمسكون بزمام الأمور؟
ولا يُفهم من هذا أننا نكفّر الحاكم الذي يترك الفساد مثل الزنا والخمور والربا بمجرد الترك، فإن هذا من الكبائر وهو آثم خائن فاسق، ولكن الأمر عند هؤلاء الحكام ليس مقتصرًا على الترك بل هو من باب التحريم والتحليل والاستحلال، فالذي يقنن في دستور الدولة الإذن ببيع الخمور وشربها، والإذن بفتح محلات بيع أشرطة الغناء والفيديوهات الهابطة، وفتح البنوك الربوية والإذن بالتعامل بالربا، وإسقاط حكم الشرع في ذلك يعتبر مشرِّعًا منازعًا لله في خاصية التحريم والتحليل مستهينًا بالله وحكمه، وهذا لا يشك في كفره من شمّ رائحة التوحيد.
والحاصل: أن من أعظم أسباب انتشار الشرك، والمعاصي، والضعف الحسي والمعنوي في بلاد المسلمين هم الحكام.
الوجه الثالث/ أنه اقتصر في ذكر أسباب مشروعية الجهاد على مقصد واحد وهو دعوة الناس إلى الله وإعلاء كلمة الله، نعم هذا هو أعظم مقصد من مقاصد الجهاد، ولكن الجهاد شرع لمقاصد أخرى أيضًا، منها:
-فالجهاد يكون لحماية الدين، قال تعالى"... وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (40 الحج)
-ويكون لرفع الظلم عن المستَضعَفين، قال تعالى"َمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75 النساء) "