فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 575

بالقضيتين لتبين لنا أن القرائن التي أحاطت بالتعامل بالربا أكثر وأوضح مِن القرائن التي أحاطت بذلك النكاح، هذا هو وجه من كفّر الحكومة من جهة الربا وهو الاستحلال.

قال الإمام الطحاوي رحمه الله في شرح هذا الحديث:"إن ذلك المتزوج فعل ما فعل على الاستحلال، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، فصار بذلك مرتدًا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل به ما يفعل بالمرتد."

[شرح معاني الآثار 3/ 149] .

وقال في تحفة الأحوذي: والحديث دليل على أنه يجوز للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعيا من قطعيات الشريعة كهذه المسألة فإن الله تعالى يقول (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر صلى الله عليه وسلم بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلا وذلك من موجبات الكفر والمرتد يقتل. [تحفة الأحوذي، ج4،ص498] .

وقال في فيض القدير: والثانية إتيانه فرجا محرما عليه وأعظم من ذلك إقدامه عليه بمشهد من المصطفى صلى الله عليه وسلم وإعلانه عقد النكاح على من حرم الشارع العقد عليها بكل حال ونص عليه في كتابه نصا لا يقبل تأويلا ولا شبهة، ففعله دليل على تكذيبه لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به عن الدين وجحود الحكمة في تنزيله فإن كان قد أسلم فهو ردة وإن كان له عهد فإظهاره لذلك نقض فمن ثم أمر بقتله بالسيف. [فيض القدير، ج6،ص100] .

والحقيقة في مسألة الربا الذي وقعت فيه الدولة السعودية وغيرها أنها داخلة ضمن ثلاث صور كفرية وهي:

الأولى/ التشريع مع الله.

الثانية/ الامتناع من التزام تحريم ما حرم الله.

الثالثة/ الاستحلال.

ـ فالصورة الأولى وهي التشريع مع الله: فإنّ الحاكم ومستشاروه وضعوا دستورًا لنظام الدولة ووضعوا فيه تشريعات وأنظمة على أساسها يسير أمر الدولة، ومن التشريعات التي وضعوها أنظمة البنوك وصور التعامل فيها، فشرّعت التعاملات الربوية ووضعت له أنظمة تكفل طرق التعامل به، وأذنت وسمحت بالتعامل بالربا وهذا تشريع مخالف لحكم الله تعالى بل مضادٌّ له، وتحليل لما حرّم الله، لأنّه عندما يأذن في ذلك فإنّ ذلك يعني أن الشعب له الحرية الكاملة في الدخول في التعاملات الربوية، ولا يكون الداخل في تلك المعاملات مجرمًا أو آثمًا في نظام الدولة لأنه فعل شيئًا مشروعًا حسب النظام، وبالتالي لا يكون المرابي في نظام الدولة مستحقًا للذمّ فضلًا عن العقوبة، ولا يحقّ للمحاكم الشرعية أن تحكم عليه لأنه فعل ما هو مشروع له حسب النظام، بل إنّ المجرم في نظام الدولة هو الذي لا يدفع الزيادات الربوية التي تعاقد عليها مع البنك، لذلك يكون مستحقًا للعقوبة والسجن حتى يؤدي تلك الزيادات المتعاقد عليها.

ولا فرق بين من يحلل الربا وبين من يحلل الزنا كما في الدول الأخرى، فكلاهما تحليل لما حرّم الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت