الأولى: أن يكون التشريع لازمًا على كل أحد، وهذا كلزوم الصلاة المفروضة فإنها فرض عين على كل مكلف.
الثانية: أن يكون التشريع في الأصل مخاطبٌ به كل مكلف، ولكن لا يلزم إلا من حصل عنده شرط الفعل، وهذا كالزكاة لا تجب ولا يُلزم بها إلا من ملك النصاب وحال عليه الحول.
وكذلك هذه الأنظمة تُقنَّن كنظام للدولة ولكن لا يلزم بالتقيد بها إلا من دخل فيها وباشرها.
ـ والصورة الثانية: وهي الامتناع عن بعض شرائع الإسلام الظاهرة، وفي هذه المسألة الامتناع من التزام تحريم الربا، ولا نعني بذلك عدم الإقرار بحرمته، فإنّ ذلك معلوم من الدين بالضرورة وجاحده كافر ولو لم يمتنع، ولكن المقصود بالامتناع هنا أن يتعاملوا به بحرية ولا يسعى الحاكم في المنع منه، ويُنصح ويؤمر بمنع الربا فيمتنع من الاستجابة، وتكفير الممتنع هو حكمٌ أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم في تكفيرهم لمانعي الزكاة، وقد سبق وأن بينتُ الفرق بين ارتكاب المعصية والإصرار عليها وبين الامتناع من تركها مع الأمر والتهديد.
والعلماء عندما يقولون يجب على ولي الأمر تحريم ما حرمه الله مقصودهم منع الناس من ارتكاب ما حرمه الله؛ لأنه إنما جُعل حاكمًا عليهم ليقيم فيهم شرع الله، وأعطته الشريعة سلطة تنفيذية ليقوم بأمر الله ويأخذ على يد الظالم، وليس المقصود أن يُقر بالتحريم دون المنع منه لأن ذلك أمر يشترك فيه مع الناس ولا يكون لسلطانه أي قيمه، وإذا كان تركه للمنكر وعدم المنع منه يُقاتل عليه حتى يمنع منه، فكيف بمن لم يقتصر على ترك المنكر بل زاد على ذلك بأن يسمح به ويفتح الباب على مصراعيه لمن أراد ارتكاب الحرام والدخول فيه، وهو مع ذلك لا يستجيب لنصح من يأمره بمنع الحرام بل يطارد الصادقين منهم ويسجنهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « ... فأيّما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرّة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السُنن كركعتي الفجر [أي سنة الفجر] والأذان والإقامة، عند من لا يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر، هل تُقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأمّا الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة ... فهم خارجون عن الإسلام. اهـ [مجموع الفتاوى، ج28،ص503] .
وقال الجصاص في (أحكام القرآن) : "وفي هذه الآية: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك .... } دلالة على أن من رد شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك .. أو ترك القبول والامتناع من التسليم .. وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم فليس من أهل الإيمان" اهـ.