والحكومة السعودية لم تقتصر على الامتناع من التزام تحريم الربا، بل زادت على ذلك الإذن بالتعامل به وإقراره وحماية البنوك المتعاملة بالربا، وإلزام العميل بتسديد القروض الربوية، والكفر بهذا من باب أولى.
فإن قيل: إنها تسمح للعلماء والدعاة في الإنكار على هذه المعصية وبيان حرمتها.
فالجواب: أنّ هذا لا يُخرجها من مسألة الامتناع بل يزيدها دخولًا وولوجًا في حكمه، وذلك أنّ العلماء والدعاة أنكروا عليها إذنها بالربا وحمايته وتقنينه، ومع ذلك هم مقرون بالتعامل به ممتنعون من محاربته ومنعه.
ولو كانت ملتزمة بتحريمه لما أقرته وحمته وشرّعت الأنظمة التي تسمح وتأذن به.
إذ لا يستقيم عقلًا ولا شرعًا أن تعلم الحكومة أن الله حرم الربا ثم تعارض الله في حكمه وتنازعه في تشريعه فتأذن للبنوك الربوية وتحرسها وتسمح للناس بالتعامل بالربا، وتنزع من المحاكم الشرعية الحكم في الربا، وتلزم العميل بما جاء في العقود الربوية، ثم تقول أنا ملتزمة بتحريم الربا!!
كما أنّ الدول التي سمحت بالزنا وأقرته في نظامها ومنعت من محاكمة مرتكبه بالشرع، تعتبر مغيرة لحكم الله، محللة لما حرم الله، ممتنعة من التزام تحريم ما حرمه الله، حتى ولو سمحت للدعاة أن يبينوا حكم الزنا، ما دام أنها أذنت فيه وأقرته وامتنعت من تحريمه ومنعه، وامتنعت من إقامة حكم الله في فاعله، فكذلك الأمر في الربا سواء بسواء، ومن فرّقَ فعليه بالدليل.
ـ والصورة الثالثة وهي الاستحلال قد سبق التفصيل فيها.
أما قول المؤلف [ولعله لو ذكر لمتحمس عاطفي أن رجلًا ينفق على المباحات والحرام من الخمور والزنا الملايين، ولو طلبت منه صدقة ريال واحد لما تصدق به، لعل مثل هذا لو ذكر له لكفره بحجة أن هذا الرجل معاند مستكبر]
أقول: إننا بحمد الله نفرّق بين الفجور والمعاصي وبين الجحود والاستكبار، والذي يرتكب المحرمات غير المكفرة ويصرّ عليها مع اعتقاده بحرمتها واعترافه بخطئه فاسق غير كافر.
ولا يقاس فعله على الممتنع فإنّ هذا من الخلط، فإنّ بين المُصرِّ وبين الممتنع فرقًا أيها المؤلف، فالمصر على الكبيرة فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه، ولكن الممتنع دافعٌ للحق ممتنع من التسليم له وهو الذي تحصل منه الممانعة والمدافعة مما يدل على عدم التزامه بتحريم الفعل، وليتك تأملت سيرة الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة لتبين لك الفرق، فالصحابة رضي الله عنهم لم يكفروا تاركي الزكاة، وإنما كفروا الطائفة الممتنعة من التزامها.
وقوله: [ولو سألت أحدهم عن رجل شراب للخمر كثير الزنا قد جعل حرسًا يدافعون عنه إذا جاءه رجال الحسبة، فهل مثل هذا يكفر لأجل أنه حمى الحرام]
أقول: لقد فرّق العلماء بين الفرد أو الأفراد المقدور عليهم وبين الطائفة الممتنعة، فالأفراد المقدور عليهم تؤخذ منهم الزكاة قسرًا، ويُستتابون من ترك المفروض ومن ارتكاب المحرّم لأنهم في قبضتنا وتحت أيدينا فإن رجعوا عن